الذكاء الاصطناعي يعيد إحياء الفلسفة في عصر الحاجة إلى الحكمة
*د.أنور كوثراني
لعقود طويلة، اعتاد طلاب الفلسفة سماع سؤال بدا في كثير من الأحيان أقرب إلى حكمٍ مسبق منه إلى نصيحة مهنية: ما الوظيفة التي يمكن أن تؤمّنها لك شهادة في الفلسفة؟ ففي عالمٍ احتفى بالمهندسين والمبرمجين وخريجي إدارة الأعمال، جرى تصوير الفلسفة بوصفها نشاطاً فكرياً نبيلاً، لكنه محدود الجدوى في سوق العمل.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي.
والمفارقة اللافتة أن التكنولوجيا التي خشي كثيرون أن تقلّل من أهمية التفكير البشري فعلت العكس تماماً. فكلما ازدادت الآلات قدرةً على الإجابة عن الأسئلة، ازدادت حاجة المجتمعات إلى أولئك الذين يجيدون طرح الأسئلة الصحيحة.
وربما تمثل هذه الحقيقة إحدى أكبر مفارقات القرن الحادي والعشرين.
فالذكاء الاصطناعي اليوم يشارك في فرز طلبات التوظيف، واقتراح العلاجات الطبية، والموافقة على القروض، وإدارة المحتوى الرقمي، وتشغيل الأنظمة الذاتية. ومع ذلك، فإن كل واحدة من هذه التطبيقات تثير أسئلة لا تستطيع أي خوارزمية أن تجيب عنها بمفردها. ما العدالة؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يتسبّب قرار آلي بضرر ما؟ وهل ينبغي أن تتقدم الكفاءة على العدالة؟ وإلى أيّ مدى يمكن للمجتمع أن يضحّي بخصوصيته مقابل مزيد من الراحة؟
هذه ليست أسئلة هندسية في جوهرها، بل أسئلة فلسفية بامتياز.
ولنأخذ مثالاً على ذلك نظاماً ذكياً للتوظيف جرى تدريبه على بيانات تاريخية متراكمة عبر عقود من عمليات التعيين. قد يتمكن هذا النظام من اكتشاف الأنماط وترتيب المرشحين بدقة عالية، لكنه إذا استند إلى بيانات تتضمّن تحيزات خفيّة، فقد يعيد إنتاج تلك التحيزات بصورة منهجية، فيستبعد أفراداً مؤهّلين من دون مبرر عادل.
فالآلة تستطيع أن تخبرنا بمن يُرجَّح أن يحصل على الوظيفة، لكنها لا تستطيع أن تخبرنا بمن ينبغي أن يحصل عليها.
وهنا يكمن الفرق الحاسم.
فالذكاء الاصطناعي يتفوق في التنبؤ، بينما تتفوق الفلسفة في إصدار الأحكام. تستطيع الآلة أن تقدّر ما يُحتمل أن يحدث، لكنها عاجزة عن تحديد ما ينبغي أن يحدث. ومع ذلك، فإن القرارات الكبرى في المجتمع، من التوظيف والرعاية الصحية إلى العدالة والحوكمة، لا تقوم في النهاية على التنبؤ وحده، بل على الحكم الرشيد.
ومن هنا يمكن فهم السبب وراء تزايد الطلب على الفلاسفة والمتخصصين في التفكير الأخلاقي. فبعد أن اعتُبرت الفلسفة زمناً طويلاً حقلاً يثير الأسئلة دون أن يقدّم حلولاً عملية، جاء الذكاء الاصطناعي ليقلب هذه الفرضية رأساً على عقب، إذ بدأت المؤسّسات الأكثر تأثيراً في العالم تدرك أن التحدّي الأكبر لا يتمثل في بناء أنظمة ذكيّة، بل في تحديد الكيفية التي ينبغي أن تتصرف بها تلك الأنظمة.
وفي مفارقة تاريخية لافتة، بات التخصّص الذي وُصف يوماً بأنه غير عمليّ واحداً من أكثر التخصصات ارتباطاً بالتقنيات التي ترسم ملامح المستقبل.
وللمرة الأولى في التاريخ الحديث، تسعى شركات التكنولوجيا والحكومات والجامعات والمنظمات الدولية بصورة متزايدة إلى استقطاب أشخاص قادرين على التعامل مع التعقيد الأخلاقي وحالات عدم اليقين.
وقد أطلقت شركات عالمية مبادرات متخصصة في الذكاء الاصطناعي المسؤول، فيما عكست توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، التي اعتمدتها الدول الأعضاء عام 2021، إدراكاً عالمياً متنامياً بأن الأنظمة الذكية تحتاج إلى إشراف بشري يستند إلى القيم، لا إلى الشيفرات البرمجية وحدها.
نتيجة لذلك، بدأت تتشكل أدوار مهنية جديدة للفلاسفة بوصفهم خبراء في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ومتخصصين في الحوكمة، ومستشارين للتكنولوجيا، وباحثين في السياسات العامة. وهي وظائف لم يكن كثير منها موجوداً قبل عقد واحد فقط، لكنها أصبحت اليوم من أسرع المجالات نمواً عند تقاطع التكنولوجيا والسياسة والبحث العلمي.
ولسنوات طويلة، طُلب من أقسام الفلسفة أن تبرر وجودها من خلال قدرتها على تأمين فرص العمل لخريجيها. أما اليوم، فقد انقلب السؤال ذاته. فلم تعد القضية ما إذا كانت الفلسفة قادرة على تبرير نفسها أمام سوق العمل، بل ما إذا كانت سوق العمل قادرة على اجتياز عصر الذكاء الاصطناعي من دون الفلسفة.
وتحمل هذه التحولات دلالات عميقة بالنسبة إلى التعليم العالي، فلم يعد ممكناً للجامعات أن تفصل بين الخبرة التقنية والتفكير الأخلاقي. فالمستقبل لن يكون من نصيب التقني الخالص ولا الفيلسوف المنعزل، بل من نصيب أولئك القادرين على الجمع بين الابتكار والحكم الرشيد، وبين الذكاء والمسؤولية، وبين المعرفة والحكمة.
مع ذلك، يبقى سؤال أكثر عمقاً وإلحاحاً: أيّ القيم ينبغي أن يعكسها الذكاء الاصطناعي؟ هل هي القيم الغربية أم التقاليد الشرقية؟ المبادئ الدينية أم المُثل الديمقراطية أم أولويات الشركات ومصالحها؟
إن هذا الجدل يكشف أن مستقبل الذكاء الاصطناعي ليس تحدياً تقنياً فحسب، بل تحدٍ إنساني في المقام الأول.
قبل أكثر من ألفين وثلاثمئة عام، رأى الفيلسوف اليوناني أرسطو أن الحكمة العملية، أي القدرة على اتخاذ قرارات سليمة في ظل عدم اليقين، تُعدّ من أسمى الفضائل الإنسانية. ويبدو أن ثورة الذكاء الاصطناعي جاءت لتؤكد هذه الرؤية بصورة غير متوقعة. فالآلات تستطيع معالجة المعلومات، وإنتاج المعرفة، وحتى محاكاة الذكاء، لكن الحكمة تظل شيئاً مختلفاً.
وهنا تكمن الرسالة الأهم.

فطوال قرون، انشغل البشر بالسؤال عما إذا كانت الآلات ستصبح ذكية يوماً ما. وربما كان ذلك السؤال خاطئاً منذ البداية. فالذكاء لم يكن الغاية النهائية قط. إنه يخبرنا بما يمكن فعله، أما الحكمة فتخبرنا بما ينبغي فعله.
وعلى امتداد التاريخ، صنع الإنسان أدوات تعكس قدراته. أما اليوم، فهو يصنع أدوات قد تعكس قيمه أيضاً. ثمّ، فإن التحدي الحقيقي لعصر الذكاء الاصطناعي لا يتمثل بقدرة الآلات على التفكير مثل البشر، بل بقدرة البشر أنفسهم على امتلاك الحكمة الكافية لتحديد القيم التي سيرثها هذا الجيل الجديد من الآلات.
وفي نهاية المطاف، لن يكون المستقبل من نصيب أولئك الذين ينجحون في بناء أكثر الآلات ذكاءً، بل من نصيب الذين يملكون الحكمة الكافية لتوجيهها.
خمس رسائل أساسية ينبغي أن تبقى في ذهن القارئ
أولاً: الذكاء الاصطناعي لا يستبدل الفلسفة، بل يعيد إحياءها.
بعد عقود من النظر إلى الفلسفة باعتبارها بعيدة عن سوق العمل، جعل الذكاء الاصطناعي التفكير الفلسفي أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ثانياً: المستقبل لأصحاب العقول الهجينة.
لن يكون قادة المرحلة المقبلة أولئك الذين يفهمون التكنولوجيا وحدها، ولا أولئك الذين يتقنون الأخلاق بمعزل عن الواقع التقني، بل من يستطيعون الجمع بين الخبرة التقنية والحكم الرشيد والمسؤولية الإنسانية.
ثالثاً: الذكاء الاصطناعي بارع في التنبؤ، والإنسان مطالب بالتفوق في الحكم.
فالأنظمة الذكية تستطيع أن تخبرنا بما يُرجَّح أن يحدث، لكنها لا تستطيع أن تحدد ما ينبغي أن يحدث.
رابعاً: السؤال الأهم في الذكاء الاصطناعي ليس تقنياً بل أخلاقياً.
فالتحدي الأكبر لم يعد بناء آلات أكثر ذكاءً، بل تحديد القيم والمبادئ والأولويات التي ينبغي أن تجسدها هذه الآلات.
خامساً: قد تصبح الحكمة الميزة التنافسية الأثمن للبشرية.
فالآلات قادرة على معالجة المعلومات وإنتاج المعرفة ومحاكاة الذكاء، لكن الحكمة تبقى مسؤولية إنسانية خالصة.
الخلاصة في جملة واحدة
إن ثورة الذكاء الاصطناعي تدفع البشرية إلى إعادة اكتشاف حقيقة خالدة: الذكاء يخبرنا بما يمكن فعله، أما الحكمة فتخبرنا بما ينبغي فعله.
سؤال مفتوح للمستقبل
إذا كانت الأجيال القادمة من الآلات الذكية سترث القيم الإنسانية، فهل اتفق البشر أولاً على القيم التي تستحق أن تُورَّث؟
لعل هذا السؤال هو الرسالة الأعمق في المقال كله، وهو أيضاً السؤال الأكثر قدرة على البقاء في ذهن القارئ طويلاً بعد انتهاء القراءة.
*عميد كلية التربية في الجامعة اللبنانية الدولية.
نبض