"أبوكاليبس الوظائف".. ما لم يخبرنا به التاريخ عن الذكاء الاصطناعي
*د. محمد إسماعيل
تمر النخب المهنية والعمالة الماهرة اليوم بمرحلة من الذعر الوجودي تعتبر الأشد في تاريخ استطلاعات الرأي الحديثة، والسبب بكلمتين: الذكاء الاصطناعي. إذ يؤمن هؤلاء المهنيون اليوم أن فرصهم في الحفاظ على أمانهم الوظيفي خلال السنوات القليلة المقبلة باتت مهتزة، في موجة قلق تتجاوز بمرارتها ما خبرناه خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008.
والغريب أن هذا الذعر لم يعد حبيس المكاتب التقليدية؛ بل بات يتردد على ألسنة قادة التكنولوجيا أنفسهم من صناع هذه الطفرة في "سيليكون فالي"، مثل سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن إيه آي"، وداريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك"، وبيل غيتس الشريك المؤسس لـ "مايكروسوفت"، الذين يحذرون من أن تجعل الآلة الذكية الجهد البشري "غير ضروري" في معظم المهام، أو قد تدفع بمعدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة.
في المقابل، ينظر علماء الاقتصاد إلى هذا المشهد بعيون أكثر اتزانًا، مدفوعين برفضهم التقليدي لما يصفونه بوهم "الكعكة الثابتة" لسوق العمل؛ وهي الفرضية الخاطئة التي تفترض أن حجم الوظائف المتاحة للبشر محدد ولا يمكن زيادته، فإذا التهمت الآلة جزءًا منه، شحّ الباقي على الإنسان. الحقيقة التي يثبتها الواقع هي أن التكنولوجيا لا تلغي الفرص بل تعيد توجيهها؛ فكلما أغلقت التقنية بابًا تقليديًا، فتحت آفاقًا جديدة تمامًا لمهن لم تكن تخطر على بال.
وحتى يومنا هذا، تفند الأرقام الواقعية هذه المخاوف القاتمة؛ فالأسواق العالمية ما زالت تستوعب الطاقات البشرية بنهم، بل إن القطاعات الأكثر عرضة لتهديد الذكاء الاصطناعي والمحاكاة الذكية، كالاستشارات القانونية والإدارية، تشهد اليوم معدلات توظيف تفوق كل ما سُجل في تاريخها.
إن الخوف من "أبوكاليبس الوظائف" ليس وليد اليوم، لكن قراءته في مرآة التاريخ تؤكد أن حدوث بطالة جماعية وطويلة الأمد بفعل التطور التقني سيكون، إن حدث، أمرًا غير مسبوق تمامًا في التاريخ البشري.
كما تُظهر البيانات التاريخية أن تبني التقنيات الجديدة وانتشارها في عصب الاقتصاد يحدث دائمًا بوتيرة أبطأ بكثير مما يتخيله المتفائلون أو يتخوف منه المتشائمون. إذ ثمة سقف تاريخي غير مرئي يكبح جماح التغيير المفاجئ، ويمنع التطور من هدم بنيان الوظائف دفعة واحدة؛ فالأمر أشبه بالتحول المتدرج الذي يمنح المجتمعات فرصة لإعادة التكيف، وليس بزلزال يقلب الموازين بين عشية وضحاها.

ولنا في قطاع الزراعة خير مثال؛ فقد مرّت العمالة الزراعية بتحولات جذرية على مر القرون، لكنها لم تشكل صدمة مباغتة وقاضية. فعندما اختُرع الجرار الزراعي الحديث في مطلع القرن العشرين، لم يستيقظ الفلاحون ليجدوا أنفسهم بلا عمل في اليوم التالي. بل استغرق الأمر أجيالًا كاملة ليتوزع الفائض البشري بين المصانع والشركات الناشئة، مما أتاح للاقتصاد وقتًا كافيًا لتهيئة وظائف مستحدثة لم تخطر على بال أحد من قبل.
وحتى في منتصف القرن الماضي، ومع ظهور الحواسيب العملاقة الأولى وحاويات الشحن البحري، تخوف السياسيون آنذاك مما سموه "الحرارة التقنية البيضاء" التي ستلتهم الأسواق. ورغم أن حركة انتقال العمالة بين المهن كانت سريعة جدًا، فإن تلك الحقبة تُذكر اليوم بوصفها العصر الذهبي لنمو الأجور، وازدهار الطبقة الوسطى، واتساع الفرص للجميع.
غالبًا ما يستشهد المتشائمون بالثورة الصناعية في بريطانيا خلال القرن التاسع عشر كدليل قاطع على بؤس العمال أمام سطوة الآلة. فبعد أن طور جيمس وات الآلة البخارية، قفزت أرباح أصحاب المصانع بشكل فلكي، بينما ظلت أجور العمال الحقيقية راكدة لنحو نصف قرن؛ وهي الفترة التي عُرفت تاريخيًا باسم "وقفة إنجلز". بسبب هذا الركود، اندفعت مجموعات من العمال الغاضبين لتحطيم الآلات والمغازل، ظناً منهم أنها سبب فقرهم وتشردهم. لكن المراجعات الاقتصادية الحديثة فككت هذه السردية، وأثبتت أن المتهم الحقيقي لم يكن الآلة، بل السياسة وجشع التشريعات.
ففي تلك الحقبة، ورغم دخول المكننة، تضاعف عدد الموظفين في بريطانيا من أربعة ملايين ونصف إلى اثني عشر مليون عامل. أما الأزمة الحقيقية التي خنقت القدرة الشرائية للعمال فكانت ناتجة عن الارتفاع الجنوني لتكاليف المعيشة ولا سيما الغذاء، بسبب الحروب والتعرفات الجمركية الحمائية الظالمة التي فرضها السياسيون على استيراد الحبوب لحماية مصالح كبار الملاك. باختصار: كان الخلل في الإدارة السياسية والقوانين الجائرة، وليس في التطور التقني الذي كان يمهد لرفع مستوى الرفاهية لاحقًا.
لكن القول بأن التاريخ لم يشهد بطالة جماعية تقودها التقنية لا يعني بالضرورة استحالة حدوثها مستقبلاً؛ فالذكاء الاصطناعي يمتلك قدرات إدراكية ومعرفية لم تكن للآلات الميكانيكية السابقة. ولكن، بدلاً من الغرق في التكهنات، توجد علامات واضحة وصارمة يراقبها علماء الاقتصاد للتحقق مما إذا كانت نبوءة "نهاية الوظائف" قد بدأت تتحقق فعلياً.
العلامة الأولى هي حدوث قفزة هائلة ومفاجئة في إنتاجية الشركات، يقابلها هبوط حاد أو ركود طويل في أجور العمال. بمعنى أن تضاعف الشركات إنتاجها وتجني أرباحًا خيالية، في حين تعجز رواتب الموظفين عن النمو لأن الآلة أصبحت البديل الأرخص والأكثر جهوزية. أما العلامة الثانية، فهي الشطب الجماعي والفوري للوظائف في قطاعات متعددة ومتنوعة بالتزامن، دون أن يواكب ذلك ولادة مهن أو قطاعات بديلة تستوعب هذه الطاقات المسرحة.
يعلمنا التاريخ الاقتصادي درسًا أخيرًا وبليغًا: إن فترات النمو والازدهار غالبًا ما تواري العيوب الهيكلية في الأسواق، لكن الأزمات وفترات الركود الاقتصادي هي المختبر الحقيقي والوحيد.
ففي أوقات الركود، تضطر الشركات إلى اتخاذ قرارات قاسية وجريئة للبقاء على قيد الحياة؛ فتتخلص من الوظائف الروتينية والمكلفة، وتندفع نحو تبني الحلول الذكية والأتمتة الكاملة. وفي تلك المنعطفات الحرجة تحديدًا، تختفي وظائف قديمة إلى الأبد، وتولد مكانها ديناميكيات جديدة. وحتى يمر الاقتصاد العالمي باختبار الركود القادم، سيبقى الجميع، بمن فيهم عباقرة الذكاء الاصطناعي أنفسهم، في وادي التوقعات، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام.
*باحث ومدرّب متخصص في التحوّل الرقمي
نبض