البطلة الأولمبية مروى العامري لـ"النهار": حان الوقت لإنقاذ الرياضة التونسية
يدقّ الخطر باب الرياضة التونسية، وهذه المرة ليس من بوابة النتائج أو الإخفاقات في المنافسات، بل من نزيف آخر أكثر خطورة: رحيل الرياضيين وعدم عودتهم إلى وطنهم.
ظاهرة بدأت تتكرر وتتحول تدريجياً إلى جرس إنذار، بعدما باتت بعض البعثات الرياضية تتحول من محطة للمنافسة إلى فرصة للهروب نحو مستقبل يرونه أفضل في الخارج.
ومع مغادرة 4 رياضيين أخيراً البعثة التونسية في ألعاب البحر الأبيض المتوسط، لم يعد مجرد حادثة معزولة، بل علامة استفهام كبيرة حول واقع الرياضة التونسية وقدرتها على حماية مواهبها والاحتفاظ بأبطالها.
وفي هذا الحوار، تتحدث البطلة الأولمبية في المصارعة والمدرّبة وممثلة رياضيي النخبة في اللجنة الأولمبية التونسية مروى العامري عن واقع الرياضة التونسية وسط مستقبل غامض.

ظاهرة هروب الرياضيين التونسيين تتكرر في السنوات الأخيرة، ما أسبابها؟
في الحقيقة، لا يمكن اختزال الظاهرة في سبب واحد. هناك عوامل مالية، وأخرى مرتبطة بظروف التدريب والمنافسة، إضافة إلى ضمان المستقبل. فالرياضي الذي يصل إلى مستوى النخبة، يكون قد أمضى سنوات في التدريب والتضحيات، وفي مرحلة معينة يبدأ في التفكير في مستقبله، خصوصاً عندما يرى أن الفرص المتاحة أمامه في الخارج أكبر مما يمكن أن توفره له بلده.

لكن لماذا تتزايد هذه الحالات؟
لأن الرياضة والرياضيين في تونس لا يحظون بالعناية اللازمة، والإمكانات المتاحة لهم محدودة ولا تسمح لهم بتطوير قدراتهم أو المحافظة عليها في المنافسة عالمياً.
وهناك أيضاً تأثير وسائل التواصل الاجتماعي. اليوم، ومن خلال هذه المنصات، يكتشف الرياضي التونسي حجم الفارق بين الظروف التي يعيشها وما يعيشه رياضيون في دول أخرى. ويبدأ بالمقارنة، وتتكون لديه قناعة بأن وضعه صعب، فيبحث عن طريقة لتغييره، حتى وإن كان ذلك عبر الهجرة غير النظامية، من خلال استغلال مشاركته في المعسكرات أو البطولات الرياضية.

هل صحيح أن رياضيي النخبة لم يحصلوا على مكافآتهم لأكثر من سنتين؟
هناك فعلاً تأخير في صرف المكافآت قد يصل إلى أشهر عدة، وهذا يحدث أيضاً معنا نحن كمدرّبين.
كم تبلغ المنح أو المكافآت الشهرية تقريباً؟ وهل صحيح أنها لا تتجاوز 250 ديناراً (نحو 85 دولاراً)؟
تحدد المكافأة الشهرية وفق الألقاب والنتائج التي يحققها الرياضي، وبالتالي فهي تختلف من رياضي إلى آخر بحسب مستوى الإنجاز. فمثلاً، الرياضي المتوّج على المستوى الأفريقي تبلغ قيمة المكافأة الشهرية التي يحصل عليها 250 ديناراً تونسياً، بينما يحصل المتوّج عالمياً على مكافأة أعلى، وتتجاوز المكافأة بالنسبة إلى المتوّج أوروبياً ألف دينار، أي ما يعادل نحو 350 دولاراً. وهذا دون احتساب مصاريف السكن والإقامة، التي تتحمل الاتحادات الرياضية كامل تكاليفها.
كما أن هذه المنحة يتوقف صرفها فور انقطاع الرياضي عن التدريب.

مع هروب كل رياضي يبدأ الحديث عن فتح تحقيق، لكن ما جدوى التحقيقات إذا كان الرياضي قد غادر البلاد وقد لا يعود؟
سمعنا في مناسبات عدة عن فتح تحقيقات، لكن على أرض الواقع لم يبلغ إلى علمي صدور قرارات في هذا السياق. بل على العكس، حدث أن بعض الرياضيين الذين غادروا بهذه الطريقة عادوا إلى ممارسة الرياضة بعد تسوية وضعياتهم القانونية في دول المهجر.

بدلاً من التركيز على العقوبات، لماذا لا تكون الأولوية لتقريب وجهات النظر والبحث عن حلول؟
طبعاً، هذا هو الأهم. أعتقد أن الحديث عن العقوبات لن يغير الواقع. نحن في حاجة إلى حوار جدي، وإلى وعي بأهمية التواصل مع الرياضيين حتى يدركوا قيمة الرهان الذي يمثلونه.
نقر جميعاً بأن وضع الرياضة في تونس ليس على ما يرام، وأن هناك نقائص كبيرة ويجب على السلطة أن تعي ذلك وتعمل على النهوض بهذا القطاع، لكن في المقابل، يجب أن يكون الرياضي مدركاً لأهمية المكانة التي بلغها والفرصة التي أتيحت له. فلولا العناية التي وفرتها الدولة، لما تمكن من الوصول إلى هذا المستوى.
في اعتقادي، يجب أن يكون هناك أيضاً اعتراف بالجميل من قبل اللاعبين الذين منحتهم تونس فرصة تحقيق حلمهم، ورغم أننا نقر جميعاً بأن الإمكانات الحالية دون المأمول، لكنها في النهاية ساهمت في فتح أبواب النجاح أمامهم محلياً وعالمياً.

هل تخشين أن يؤثر تكرار هذه الحالات في مستقبل الرياضة التونسية؟
طبعاً. ما لم تتغير الأوضاع، سيتواصل مسلسل هروب الرياضيين، وهذا يدعو إلى القلق. ليس من السهل إعداد رياضي قادر على المنافسة على الألقاب محلياً وعالمياً، فذلك يتطلب سنوات من العمل والصبر والمثابرة والتضحيات.

ما حدث سيكون سبباً وراء نفور الأجيال الشابة من ممارسة الرياضة وقد نجد أنفسنا بلا أبطال مستقبلاً. وما يؤسفني أيضاً أن الجيل الجديد من الرياضيين يملك عقلية مختلفة، وليست لديه دائماً القدرة أو الرغبة في التحمل.
ما حدث في إيطاليا أخيراً، في تقديري، أضر بسمعة الرياضة التونسية. فعلى الرغم من النتائج الإيجابية التي حققها عدد من رياضيينا، انصبّ الاهتمام في النهاية على أسماء الرياضيين الذين غادروا البعثة. وأعتقد أنه قد آن الأوان لدق ناقوس الخطر لإنقاذ رياضتنا ووضع حد لهذه الظاهرة.
نبض