عودة السداسية إلى الدوري اللبناني... الإثارة في المقدمة
من بديهيات الدوري اللبناني العام لكرة القدم في السنوات الأخيرة أنّ هوية البطل لا تعرف إلا مع الصافرة الأخيرة، وذلك تبعاً للنظام المعمول به في المسابقة، إذ ستعود النسخة الـ67 الى اعتماد نظام السداسيتين بعدما غابت في الموسم الماضي، وهي ليست عودة بحثاً عن الإثارة فحسب، بل أيضاً تمثل نظاماً قادراً على قلب موازين المنافسة في الأمتار الأخيرة.
تقسيم الفرق إلى سداسية للأوائل وأخرى للأواخر قد يكون مفهوماً في بطولة تضم 12 نادياً، لكن تنصيف النقاط يحوّل المرحلة الأولى من سباق كامل إلى مقدمة لبطولة جديدة، ويضع أفضلية المتصدر تحت الاختبار من جديد.
نهايات مثالية
التجربة اللبنانية نفسها تقدم دليلاً على أنّ الإثارة لا تحتاج بالضرورة إلى هذا التدخل. في موسم 2023-2024، كان الأنصار من أكثر الفرق استقراراً وقوة، وحقق نتائج كبيرة، بينها الفوز على النجمة 5-1 في المرحلة الأولى. ومع ذلك، بقي الصراع مفتوحاً حتى المباراة الأخيرة، التي دخلها الفريق الأخضر بأفضلية جعلت التعادل كافياً للتتويج، قبل أن يخطف النجمة اللقب بهدف قاتل لقائده قاسم الزين، ويحسم البطولة بفارق نقطة واحدة.
كانت تلك نهاية مثالية من حيث الإثارة، من دون أن تُمحى النقاط التي جمعها الأنصار طوال الموسم أو يُعاد ضبط الفارق بين الفريقين. الفريق الأفضل احتفظ بأفضلية حقيقية، والمنافس بقي قادراً على قلب المعادلة في مواجهة مباشرة. أما النظام الجديد فيذهب خطوة أبعد: الفريق الذي ينهي المرحلة الأولى متقدماً بفارق عشر نقاط، على سبيل المثال، يدخل السداسية متقدماً بخمس فقط.
السداسية تصنع البطل
بهذا المعنى، لا تعود المرحلتان متساويتين في القيمة. المرحلة الأولى تحدد المتأهلين وترتيب البداية، لكنها تمنح السداسية وزناً أكبر في صناعة البطل. عشر مباريات جديدة تصبح قادرة على تعويض جزء كبير من التفوّق الذي بُني عبر المرحلة الأولى، فيما يحصل الفريق المتأخر على فرصة أكبر لإعادة المنافسة إلى نقطة أقرب، وخصوصاً أنّ الموسم الجديد يبدو أنه يعد بكثير من المنافسة المحتدمة، وعلى الأخص مع اعتماد عدد من الأندية على الاغتراب لاستقدام لاعبين من أصول لبنانية على غرار القطبين الأنصار والنجمة والطامح القوي جويا والعهد والصفاء والحكمة بيروت.

تجارب أوروبية
هذه الفلسفة ليست لبنانية، الدوري البلجيكي اعتمد لسنوات نظام الـ"Play-offs" مع تنصيف النقاط، وقدم واحدة من أكثر الحالات وضوحاً على قدرة الصيغة على قلب الترتيب.
في موسم 2023-2024، أنهى كلوب بروج المرحلة المنتظمة خامساً، متأخراً بفارق 19 نقطة عن المتصدر يونيون سان جيلواز، لكنه استفاد من تقليص الفوارق في السداسية، ثم قلب المشهد وتوّج بطلاً. التجربة أثبتت قدرة النظام على إنتاج نهايات درامية، لكنها أثارت في الوقت نفسه جدلاً دائماً حول حجم المكافأة التي يستحقها الفريق الأفضل على مدار الموسم.
الصراع المفتوح
وهذا التفصيل هو الفارق الأهم في التجربة اللبنانية. السداسية في ذاتها يمكن أن تكون منطقية ومفيدة؛ فهي تزيد عدد المباريات ذات القيمة، وتمنع اتساع الفوارق مبكراً، وتبقي الصراع على اللقب والهبوط حياً حتى النهاية، وهذا ما يحتاجه بالضبط الدوري اللبناني، إذ كانت الأمور تنحصر في السابق بعدد قليل من الفرق. لكن تنصيف النقاط يذهب أبعد من ذلك، لأنه يعاقب جزئياً الفريق الذي نجح في بناء أفضلية كبيرة خلال المرحلة الأولى.
الأمر يصبح أكثر حساسية في سداسية الأواخر. فريق جمع 30 نقطة وآخر 20 يدخلان المرحلة الحاسمة بفارق خمس نقاط فقط بدلاً من عشر. وبالتالي يمكن لعشر مباريات أن تقلب موسماً كاملاً من النتائج. هذا يرفع قيمة السداسية جماهيرياً، لكنه يجعل الاستقرار طوال الموسم أقل تأثيراً في القرار النهائي.
نبض
