مونديال 2026... كأس العالم تغيّرت نحو "الأخطر"

رياضة 20-07-2026 | 07:04

مونديال 2026... كأس العالم تغيّرت نحو "الأخطر"

معنى التأهل إلى كأس العالم تغيّر. في السابق، كانت الندرة جزءاً من قيمة البطولة. غابت إيطاليا وهولندا وإنكلترا في نسخ مختلفة، لأن الطريق كان شديد القسوة. أما اليوم، فقد اتسعت البوابة، وبات المعيار نتائج الفرق بعد تأهلها
مونديال 2026... كأس العالم تغيّرت نحو "الأخطر"
توسيع البطولة فرض التوسع الجغرافي واحتاج بنية اقتصادية لا تملكها إلا قلة من الدول. (وكالات)
Smaller Bigger

أعاد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) خلال مونديال أميركا الشمالية، تعريف بطولة كأس العالم، التي قامت طوال 96 عاماً، على معادلةٍ بسيطة، وهي: أفضل المنتخبات تتنافس في دولة واحدة من أجل الكأس الأكثر ندرة في كرة القدم.

في نسخة الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، تغيّرت الفلسفة التي تحكم البطولة، وللمرة الأولى، بدا أن الاقتصاد لم يعد يخدم كرة القدم، بل أصبحت كرة القدم تخدم الاقتصاد.

اعتباراً من هذه النسخة تغير كل شيء، فأصبحت البطولة تضم 48 منتخباً و104 مباريات، وتقام في ثلاث دول و16 مدينة. لم يعد المشجع يعيش بطولة واحدة، بل شبكة بطولاتٍ مترابطة، ولم تعد الدولة المضيفة بطل المشهد، بل البنية التحتية العابرة للحدود.

 

استراحة شرب المياه

 

شهدت كأس العالم 2026 استراحة شرب المياه للاعبين لمدة 3 دقائق خلال الدقيقة 22 تقريباً من كل شوط (الأول والثاني). وأثارت هذه الاستراحة جدلاً واسعاً بين المدربين واللاعبين والمشجعين، إذ اعتبرها البعض ضرورية لأسباب عدة منها السيطرة على الحر الشديد، ومنها تجارية بحتة لأنها تدر الكثير من الأموال بسبب الإعلانات، ومنها تكتيكية وذلك لأنّ بعض المدربين يغير خططه ويوجه لاعبيه خلال هذه الفترة. كما أنها لاقت انتقادات واسعة، خصوصاً من الجمهور، لأنها تقتل متعة المباريات أحياناً في منتصف الوقت.

 

مسابقة أكثر عالمية

رئيس "فيفا" جياني إنفانتينو لا يخفي فلسفته، إذ دأب على تكرار هدفه هو "جعل كرة القدم عالمية بحق، ومنح مزيد من الدول فرصة أن تحلم بكأس العالم"، ومن هذه الزاوية يصعب الاعتراض على المشروع، فمن الذي يمكن أن يعارض منح أفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا فرصاً أكبر للمشاركة؟ 

المشكلة تكمن في ثمن هذا التوسع بحسب الخبراء، فكل منتخب إضافي يعني سوقاً إعلامية جديدة، وحقوق بث إضافية، ورعاة جدداً، ومباريات أكثر، وإيرادات أعلى. هنا تلتقي العدالة الرياضية مع المنطق التجاري، ويصبح من الصعب الفصل بين الدافعين.

الرئيس السابق لـ"فيفا"، البرازيلي جواو هافيلانج، قال قبل عقود جملة تبدو أكثر راهنية من أي وقت مضى: "كرة القدم ليست عملاً خيرياً، إنها عمل تجاري".

ربما لم يقصد هافيلانج مونديال 2026 تحديداً، لكنه لخص الفلسفة التي وصلت اليوم إلى أقصى تجلياتها.

ليست مصادفة أن ترتفع المباريات من 64 إلى 104، وأن يصبح التنظيم المشترك هو الحل، وأن تتضخم البطولة إلى حد يصعب على دولة واحدة استضافتها. فالقراران، 48 منتخباً وثلاث دول، ليسا منفصلين، بل أحدهما فرض الآخر. فالتوسع الرياضي احتاج إلى توسع جغرافي، والتوسع الجغرافي احتاج إلى بنية اقتصادية لا تملكها إلا قلة من الدول. لكن إذا كان الإداريون يتحدثون عن النمو، فإن أهل اللعبة يتحدثون عن التكلفة.

 

منتقدو التوسع يبدون قلقاً عارماً على اللاعبين بالدرجة الأولى. (وكالات)
منتقدو التوسع يبدون قلقاً عارماً على اللاعبين بالدرجة الأولى. (وكالات)

 

منتقدون ولكن!

كان المدرب الألماني يورغن كلوب من أوائل المحذرين من هذا المسار عندما قال: "لا توجد بطولة سيئة، لكن كثرة البطولات تعني أنه لا توجد فترة راحة للاعبين". وأضاف في مناسبة أخرى: "نحن نطلب من اللاعبين أن يقدموا المزيد باستمرار، ثم نتساءل لماذا تزداد الإصابات؟".

واختصر المدرب الإسباني بيب غوارديولا مخاوفه، بالقول: "أنا سعيد من أجل الجماهير، لكنني قلق جداً على اللاعبين".

ولم يكن رئيس الاتحاد الأوروبي "يويفا" ألكسندر تشيفرين، أقل وضوحاً عندما رفض فكرة مواصلة التوسع قائلاً: "أعتقد أنها فكرة سيئة... ليست جيدة لكأس العالم، وليست جيدة للتصفيات أيضاً". ورغم أن حديثه جاء في سياق مقترح رفع البطولة إلى 64 منتخباً، فإنه يعكس موقفاً أوسع من فلسفة التوسع المستمر.

اللافت أن معظم المؤيدين للتوسع هم إداريون، بينما يأتي معظم المنتقدين من المدربين واللاعبين. وهذه ليست مصادفة، لأن كل طرف يقيس النجاح بمعيار مختلف.

"فيفا" تنظر إلى عدد الدول المشاركة، وإلى الأسواق الجديدة، وإلى الإيرادات، وإلى الانتشار العالمي. أما المدرب فينظر إلى جودة المباراة، وإلى فترة الاستشفاء، وإلى كثافة الروزنامة، وإلى قيمة التأهل نفسها.

وثمة سؤال عميق حول هذا التطور في شكل البطولة: هل أصبحت كرة القدم تُدار وفق مؤشرات الاقتصاد أكثر مما تُدار وفق معايير اللعبة؟ تشي الوقائع أن مركز الثقل انتقل تدريجاً من الملعب إلى قاعة الاجتماعات.

 

معنى التأهل تغيّر

حتى معنى التأهل إلى كأس العالم تغيّر. في السابق، كانت الندرة جزءاً من قيمة البطولة. غابت إيطاليا وهولندا وإنكلترا في نسخ مختلفة، لأن الطريق كان شديد القسوة. أما اليوم، فقد اتسعت البوابة، وبات المعيار نتائج الفرق بعد تأهلها.

ويرى كثيرون أن من الخطأ اختزال التجربة بالنقد، فالتوسع منح دولاً كانت مهمشة فرصة الظهور، وأدخل جماهير جديدة إلى قلب الحدث، ورسخ حضور اللعبة في أسواق لم تكن تحظى بالتمثيل ذاته، ويعدون هذا الأمر بمثابة المكاسب.

في الاقتصاد، لا تكون الزيادة في الحجم فضيلة دائماً، لأن بعض المنتجات يفقد قيمته عندما يفقد ندرته. والسؤال الذي سيواجه "فيفا" في السنوات المقبلة ليس إن كانت قادرة على تنظيم بطولة أكبر، فقد أثبتت ذلك بالفعل، بل إن كانت قادرة على الحفاظ على المكانة الرمزية لكأس العالم وهي تكبر بهذا الشكل.

 

 

لقد نجح مونديال 2026 تنظيمياً، وربما كان الأكثر نجاحاً تجارياً في التاريخ. لكن نجاحه الحقيقي لن يُقاس بالأرباح ولا بعدد المشاهدين، بل بالإجابة عن سؤال سيلازم كرة القدم طويلاً: أصبحت كأس العالم أكبر... أم أصبحت مختلفة؟ والجواب على هذا التساؤل سيكون بعد أربع سنوات في بطولة قد تتوسع إلى 64 منتخباً وتبدأ في دول أميركا الجنوبية وصولاً إلى إسبانيا والبرتغال والمغرب.

الأكثر قراءة

كتاب النهار 7/20/2026 5:40:00 AM
لا يزال لبنان يراهن على موقف أميركي ضاغط لانتزاع ورقة الانسحاب، في مواجهة الممانعة المتصاعدة والضغوط التي يمارسها "حزب الله"
النهار تتحقق 7/20/2026 11:50:00 AM
تصريحات رئيسي الجمهورية والحكومة اللبنانيين غير مسبوقة. "أتوجه إلى السوريين وأقول لهم إن لبنان بلدكم الثاني، وسنعاملكم كأبناء هذا البلد"، يقول جوزف عون في الفيديو.
لبنان 7/20/2026 9:10:00 PM
فرع المعلومات كان قد استدعى عليق في وقت سابق، إلا أنه تخلّف عن الحضور...
لبنان 7/21/2026 12:23:00 PM
أمانة جمارك جديدة يابوس، ضبطت 226 قنبلةً من نوع "RGC"، كانت مخبأة بإحكام ضمن مخابئ سرية داخل إحدى السيارات