المفارقة الأميركية... كأس العالم في بلد لا يعيش "المونديال"!
أسبوع يفصلنا عن انطلاق أكبر نسخة من نهائيات كأس العالم لكرة القدم في التاريخ، إلا أن كل الأجواء في الدول المضيفة الولايات المتحدة وكندا والمكسيك لا توحي استضافة أهم حدثٍ رياضي تنتظره الشعوب كل أربع سنوات.
الولايات المتحدة تحديداً تستضيف الحيّز الأكبر من البطولة، وتحتضن المباراة النهائية، وتمتلك من الملاعب والبنى التحتية والإمكانات الاقتصادية ما يفوق معظم دول العالم مجتمعة. ومع ذلك، وجد كثيرون من المتابعين أنفسهم أمام مشهدٍ غير مألوف، فلا يوجد أي شغف بالمونديال على غرار النسخ السابقة.
البلد الأكثر قدرة على تنظيم أكبر كأس عالم في التاريخ ليس بالضرورة البلد الأكثر التصاقاً بثقافة كأس العالم، فبلاد "العم سام" تعد جزءاً من سوق رياضية ضخمة تتنافس فيها كرة القدم الأميركية وكرة السلة والبيسبول والهوكي، لذلك لا يتوقف الإيقاع الوطني الأميركي عندما تقترب كأس العالم، كما يحدث في دول أخرى.
اللعبة الشعبية لم تعد هامشية في الولايات المتحدة، إذ إن الدوري المحلي ينمو، والجماهير تتزايد، والنجوم العالميون باتوا جزءاً من المشهد الرياضي الأميركي، لكن جوهر المسألة يكمن بأن أميركا تُعامل الرياضة غالباً كصناعة ترفيهية كبرى، بينما تعامل في دول العالم كجزء من الهوية الجماعية والذاكرة الوطنية.

في البرازيل 2014 كان البلد نفسه هو البطولة، وفي جنوب أفريقيا 2010 كانت "فوفوزيلا" جزءاً من هوية الحدث. وفي ألمانيا 2006 أصبحت الساحات العامة رمزاً للمونديال، أما النسخة الأمتع فكانت في قطر 2022 بحيث تحولت الدولة بأكملها إلى فضاء كروي مفتوح. أما في الولايات المتحدة، فيبدو أحياناً أن البطولة حدث عالمي ضخم سيقام على الأراضي الأميركية، أكثر مما تبدو حدثاً أميركياً في ذاته.
المثير أن المقارنة الأوضح ليست مع أوروبا أو أميركا الجنوبية، بل مع المكسيك، الشريك الأصغر في استضافة نسخة 2026. فبينما تستضيف الولايات المتحدة العدد الأكبر من المباريات، تبدو المكسيك أكثر اندماجاً عاطفياً في الحدث. هناك لاتزال كرة القدم جزءاً من الهوية الوطنية، منتخب "تريكولور" قضية عامة، والبطولة حدث يمس الحياة اليومية للناس، فهل ما زالت كأس العالم بحاجة إلى مجتمع مضيف يعيش البطولة بكل جوارحه؟
مدى قرابة قرن، كانت هوية كأس العالم مرتبطةً بهوية البلد المضيف. كل نسخة حملت نكهةً محلية واضحة. غير أن نسخة 2026 تبدو مختلفة، ثلاث دول مضيفة، 16 مدينة، 48 دولة مشاركة، 104 مباريات، وجماهير قادمة من كل القارات، إنما قد لا تعكس البطولة هوية دولة بعينها بقدر ما تعكس ظاهرة العولمة نفسها.
ويقود أيضاً إلى دور المنظمة المسؤولة الـ"فيفا"، فعندما قرر الاتحاد الدولي توسيع البطولة إلى 48 منتخباً، لم يكن يتحرك بدافع رياضي فقط، التوسعة تعني مزيداً من العائدات، ومزيداً من الأسواق، ومزيداً من الاتحادات السعيدة بحصولها على فرصة الظهور في كأس العالم، لكن لكل توسعة ثمنها، فكلما كبرت البطولة، ازدادت تكلفة استضافتها وتعقيدها. وكلما ازدادت التكلفة، تقلص عدد الدول القادرة على حمل هذا العبء.
وبينما يحتفل الـ"فيفا" بوصول منتخبات جديدة إلى النهائيات، يزداد عدد الدول التي تدرك أن تنظيم البطولة أصبح مشروعاً يتجاوز قدراتها الاقتصادية والسياسية، لهذا فإن النقاش الحقيقي حول مونديال 2026 لا يتعلق فقط بكرة القدم. إنه نقاش حول طبيعة الحدث نفسه. هل ما زالت كأس العالم احتفالاً وطنياً يستمد روحه من المجتمع المضيف؟ أم أنه تحول إلى منصة عالمية ضخمة تحمل الجماهير روحها معها أينما ذهبت؟
في الواقع، لا تكمن أهمية مونديال 2026 في عدد المنتخبات أو حجم العائدات أو اتساع الرقعة الجغرافية للبطولة، بل في أنه يكشف التحول العميق الذي أصاب كأس العالم نفسها. فالبطولة التي كانت تُعرّف بهوية البلد المضيف أصبحت تُعرّف بحجمها العالمي، والحدث الذي كان يعيش في الشوارع والساحات بات يعيش أكثر في الأسواق والمنصات والشبكات العابرة للحدود. لذلك لا تبدو المفارقة الأميركية استثناءً بقدر ما تبدو التعبير الأكثر وضوحاً عن الاتجاه الذي تسير نحوه كرة القدم العالمية.
نبض