ريال مدريد يدخل أخطر مراحله: "إمبراطورية بيريز" يهددها ريكيلمي
لا تبدأ الأزمات في نادي ريال مدريد الإسباني من النتائج، إنما من اللحظة التي تشعر فيها "المؤسسة" بأن صورتها تتشقق، لا بفعل الخروج من موسم بلا ألقاب، ولا حتى بسبب حالة الغضب الجماهيري المعتادة بعد أيّ سقوط كبير، بل لأن النادي الملكي يبدو كنادٍ مرتبك في تعريف نفسه وفي الطريقة التي يحاول بها الدفاع عن صورته.
ظهور إنريكي ريكيلمي كان النتيجة الطبيعية لمسار كامل بدأ يتراكم بهدوء داخل النادي منذ فترة، لأن الأنظمة الطويلة لا تهتز فجأة، بل تتآكل تدريجياً، تبدأ بخسارة الوضوح، ثم تدخل مرحلة الدفاع المستمر عن نفسها، ثم تصل أخيراً إلى أخطر نقطة حين يصبح السؤال داخل المؤسسة لا عن كيفية التطور، بل عن كيفية الحفاظ على بقائها.
إزاء هذا الوضع تبدأ قصة فلورنتينو بيريز الحالية، الرجل الذي أعاد بناء ريال مدريد بالكامل، وحوّله إلى أقوى مؤسسة كروية في العالم. لم يعد يتحرك اليوم بالعقلية ذاتها التي حكم بها النادي لسنوات. في السابق كان بيريز يقود المشهد بثقة رجل يعرف أنه يسبق الجميع بخطوات، أما الآن فخطابه كله يبدو مختلفاً؛ فهو أكثر عصبية، أكثر حساسية تجاه الانتقادات، وأكثر انشغالاً بالدفاع عن نفسه وعن مشروعه. وهذا التحوّل وحده يكشف حجم القلق الموجود داخل النادي، لأن السلطة حين تبدأ بشرح قوتها كثيراً، تكون قد بدأت تشعر بأن جزءاً من هيبتها لم يعد مستقراً كما كان.

وحين يقول فلورنتينو في مؤتمره الأخير "سيضطرون إلى إخراجي بالرصاص"، فهو يبدو كرجل يشعر بأن فكرة بقائه نفسها أصبحت جزءاً من النقاش. ثم يتبعها بجملة أخرى أكثر دلالة حين يتحدث عن "حملة منظمة" ضده وضد ريال مدريد، وهي اللغة التي تكشف كيف بدأت المؤسسة تتحرك بعقلية الدفاع لا بعقلية السيطرة التي عُرفت بها طوال سنوات.
يدخل ريكيلمي باعتباره أول شخص يجرؤ على طرح السؤال الذي كان محرماً داخل مدريد: ماذا بعد فلورنتينو؟ وهذه هي النقطة التي تجعل ترشحه مزعجاً فعلاً. لأنه لا يهاجم الماضي، ولا يناقش الإنجازات، ولا يحاول إقناع الناس بأن بيريز فشل، فذلك سيكون خطاباً خاسراً منذ البداية. الرجل يعرف أن فلورنتينو صنع أعظم حقبة حديثة في تاريخ النادي، ويعرف أن ذاكرة الجماهير ما زالت مرتبطة باسمه، لذلك اختار أن يتحرك نحو المنطقة الوحيدة القابلة للنقاش الآن: المستقبل. يتحدث ريكيلمي عن الخصخصة، وعن هوية النادي، وعن فكرة أن ريال مدريد يتحول تدريجياً من مؤسسة يملكها أعضاؤها إلى كيان اقتصادي ضخم تحكمه الحسابات الاستثمارية أكثر مما تحكمه فكرة النادي التقليدية. وهنا جاءت جملة ريكيلمي الأخطر: "قد تكون هذه آخر انتخابات قبل الخصخصة".
هذه العبارة لا تناقش إدارة فريق كرة قدم فقط، بل تضرب مباشرة في أكثر نقطة حساسة داخل ريال مدريد: هوية النادي نفسها. فالجماهير يمكن أن تتقبل موسماً سيئاً، ويمكن أن تغضب ثم تهدأ، لكنها تصبح أكثر قلقاً حين تشعر بأن شكل النادي نفسه يتغير.
وما يزيد الصورة تعقيداً أن ريال مدريد لا يبدو مستقراً رياضياً أيضاً. الفريق فقد توازنه، وغرفة الملابس تعيش توتراً واضحاً، والقرارات تبدو متخبطة، وحتى فكرة إعادة المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو تحمل دلالة أكبر من مجرد اسم مدرب، إذ تعكس رغبة داخل المؤسسة في استعادة شعور قديم بالهيبة والسيطرة والحضور الصدامي.
ولم يكن غريباً أن تصف بعض الصحافة الإسبانية ظهور فلورنتينو الأخير بأنه ظهور "رئيس تائه غير قادر على بناء خطاب متماسك"، بينما كتبت صحف أخرى أن الرجل بدا "بعيداً عن صورة القائد المسيطر التي رافقته لسنوات". وهذه التوصيفات تعكس حالة التوتر التي يعيشها النادي كله حالياً، لأن ريال مدريد لم يعتد أن يظهر بهذا القدر من الارتباك العلني.
ومع ذلك، يبقى فلورنتينو المرشح الأقوى بلا نقاش، إذ يعول على نفوذه الهائل، وتاريخه أثقل من أن يُهزم بسهولة، وشبكته داخل النادي أعمق بكثير من أي منافس آخر.
نبض