كرة القدم في "البازار" مجدّداً... بين الذاكرة والصناعة
لم يكن إعلان الاتحاد الدولي لكرة القدم إنهاء الشراكة مع "بانيني" مجرد إعلان تجاري، فبالنسبة إلى كثيرين، كان لحظة صامتة تُعلن شيئاً أعمق "كرة القدم التي عرفها الجمهور تُعاد صياغتها".
منذ نسخة المكسيك 1970، شكّلت "بانيني" جزءاً من طقوس المونديال، إذ إن الملف المصور "الألبوم" لم يكن منتجاً، بل زمن يُجمع في صفحات، على غرار لاعب مفقود، صورة نادرة، وألبوم يُكمل حياة كاملة من الانتظار.
لكن هذه الذاكرة الورقية تُستبدل اليوم بمنطق مختلف، إذ قرر "فيفا" بقيادة رئيسه جاني إنفانتينو التحدث بلغةٍ لا تشبه لغة المدرجات "هذا يوفّر مصدراً تجارياً مهماً آخر للإيرادات، نعيد استثماره في كرة القدم". هذا التصريح يبدو تقنياً، لكنه يختصر التحول: كرة القدم لم تعد تُدار كتراث جماهيري، بل كمنظومة دخل عالمية.
في الخلفية، تتقدم شركات أخرى حاملة معها نموذجاً مختلفاًٍ تماماً بينها مقتنيات رقمية، بطاقات نادرة، أسواق إعادة بيع، وتجربة تقاس بالقيمة لا بالذكريات.
يرى الفيفا الأمر "تحديثاً"، إلا أن جماهير اللعبة التي اعتادت انتظار المونديال وتجميع الصور "بانيني"يرون شيئاً آخر، إذ تكررت جملة كأنها شعار احتجاج غير منظم: "انتهت اللعبة… فعلاً انتهت تماماً".
النقاد الذين لا يعادون التطور، يلتقون عند نقطة واحدة: أن المال أصبح عنصراً حاكماً، لا مجرد داعم، ويقول المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو في تعليقٍ قاس: "في كرة القدم الحديثة، المال يتكلم بصوت أعلى من الشغف". ما يوضح أن الجدل لم يعد حول مباراة أو صفقة، بل حول منطق كامل يحكم اللعبة.

الألبوم جمع بين الطفولة والهواية والتبادل الاجتماعي، وأصبح جزءاً من تجربة كرة القدم نفسها، بينما تطوّر مع الزمن إلى سوق اقتصادية ضخمة تشمل الهواة والمستثمرين وحتى التجارة الإلكترونية. ومع النجاحات المتزايدة لمنتخبات ولاعبين، أصبحت هذه الثقافة أكثر ارتباطاً باقتصاد العاطفة الذي يحوّل كل بطولة إلى موجة استهلاك.
في هذا السياق، تصبح نهاية علاقة كأس العالم مع "بانيني" أكثر من قرار تجاري، إنها تبدو كتحول في "طريقة حفظ الذاكرة" نفسها. فالألبوم الذي كان يُورّث بين الأجيال، يُستبدل اليوم بنظام رقمي وتجاري سريع الحركة، بحيث تصبح الذكرى نفسها قابلةً للتسعير، يمعنى أن كرة القدم لم تفقد قدرتها على صناعة اللحظة، إلا أنها تفقد الطريقة التي كانت تُخزّن بها تلك اللحظة في ذاكرة الناس.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نص المرسوم رقم (98) لعام 2026 على تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية... جاء تعيينه خلفاً لماهر الشرع، وذلك في إطار توجهات لتعزيز مبدأ فصل العلاقات العائلية عن المسؤولية العامة.
نبض