بودو/غليمت... من عمق الجليد إلى قلب أوروبا!
تقدم كرة القدم الحديثة، التي تعتمد على المال بالدرجة الأولى، نماذج تعيد إلى الأذهان جوهر كرة القدم الحقيقية، إذ صنع "بودو/غليمت" النروجي واحدة من أعظم المفاجآت في تاريخ دوري أبطال أوروبا في هذا الموسم.
الفريق الآتي من أقصى شمالي النروج، من محاذاة الدائرة القطبية، ومن مدينة صغيرة، لا يتجاوز عدد سكانها الـ 55 ألف نسمة، أطاح بوصيف النسخة السابقة، إنتر ميلان، بنتيجة إجمالية 5-2، ليعلن للعالم أن المال ليس كل شيء.
يتخذ النادي الأصفر ملعب "أسبميرا" المعروف باسم "جحيم الجليد" أرضاً له، ويصرف بكامله ميزانية تقلّ عن 40 مليون يورو، أي أقلّ من ثمن لاعب متوسط في مانشستر سيتي، ويقوده المدرب المحلي كيتل كنوتسن منذ 2018، والذي صرّح بعد المباراة: "فريق من بلدة صغيرة في الشمال، إنه أمر لا يُصدق. هذه ليست مجرد نتيجة، إنها شهادة على العمل اليومي على تطوير اللاعبين والهوية الجماعية".
لا يملك الفريق نجوماً خارقين، لكنه امتلك عقلية جماعية صارمة، ضغطاً مستمراً، وانضباطاً تكتيكياً واضحاً. ويضيف المهاجم ينس بيتر هاوغ "ما قمنا به حقاً لا يُصدق… أنا فخور جداً بالمجموعة. نحن جميعاً معاً ونؤمن بالمشروع".

تكشف الأرقام حجم الإنجاز، إذ حقق غليمت أربعة انتصارات متتالية في دوري الأبطال ضد أندية من الدوريات الخمسة الكبرى؛ وهو أمر لم يحدث منذ أياكس أمستردام بقيادة "جناحه الطائر" التاريخي يوهان كرويف، في موسم 1971-1972، حين توّج باللقب. فاز بودو على مانشستر سيتي 3-1، وعلى أتلتيكو مدريد الاسباني 2-1، قبل إسقاط إنتر ذهاباً وإياباً. ليس مجرد حظ، بل نتيجة تراكمية لمشروع متكامل منذ صعود الفريق إلى الدرجة الأولى عام 2017، وصولاً إلى نصف نهائي الدوري الأوروبي في الموسم الماضي.
الأمر الأكثر دهشة هو أن بودو يلعب في فترة التوقف عن الدوري المحلي، بعد انتهاء موسم النروج في تشرين الثاني (نوفمبر). ومع ذلك، لم يخسر منذ بداية هذه العودة الأوروبية. هذا ينقض كل المعايير التقليدية حول أهمية الاستمرار والوتيرة في كرة القدم.
وللفريق فلسفة مختلفة تماماً عن أي نادٍ تقليدي. وفق ما كشف مساعد المدرب السابق مورتن كالفينس بقوله إن "كل لاعب نوقع معه يجب أن يمتلك ميزة استثنائية واحدة لم يلاحظها الآخرون. هذا هو الأساس الذي نبني عليه تطويره وتحديد موقعه في الفريق". حتى الجانب النفسي لم يُترك للصدفة. الفريق يوظف بيورن مانسفيرك، الذي كان طياراً سابقاً، كمدرب ذهنيّ، ليعلم اللاعبين كيفية التعامل مع الأخطاء فور حدوثها، ضمن حلقة جماعية بعد كل هدف يُستقبل، لتبادل التجارب وتعلّم الدروس من دون خوف.
الجمهور كان حاضراً بقوة، سواء في بودو ذهاباً أو في ملعب "جيوسيبي مياتزا" في سان سيرو إياباً، حيث قال أحد المشجعين الذين آزروا الفريق "نحن من مدينة صغيرة، لكننا نصنع لحظات كبرى. الفوز على إنتر ليس مجرد نتيجة، إنه إعلان أن الهوية تصنع الفرق".
وصف المحللون الأوروبيون الإنجاز بأنه درس صارخ مفاده أن الهوية والتنظيم والفلسفة الواضحة يمكن أن تتغلب على الميزانيات الضخمة. وفق ما قال المحلل النروجي أندرياس فيشر ""بودو/غليمت يوضح بأن كرة القدم ليست ملكاً للأثرياء فقط. هذا فريق صغير يثبت أن التفكير المختلف والتخطيط يمكن أن يخلق المعجزات".
يضع هذا الإنجاز بودو/غليمت بين أعظم المفاجآت في تاريخ دوري أبطال أوروبا، لكنه يختلف عنهم جميعاً، لأنه فريق عضوي، صغير، بلا نجوم خارقين، لكنه منهجي، ذكي، وقوي إرادياً. مع الوصول إلى دور الـ16، حيث قد يواجه سبورتينغ لشبونة أو حتى يجدد النزال مع مانشستر سيتي، سيختبر العالم مرة أخرى قدرة فريق من أقصى الشمال على تحدي العمالقة. لكن غليمت، حتى لو انتهت رحلته هناك، كتب درساً سيحفر في العمق طويلاً "المال ليس كل شيء، والهوية والشجاعة والعمل الجماعي يمكن أن تصنع المعجزات في كرة القدم الحديثة".
نبض