أغلال من ذهب... كيف يقتل الدلال المحلي مواهب الكرة المصرية؟
في خارطة كرة القدم العالمية، تمثل الموهبة المصرية لغزاً عصياً على الفهم لدى الكثير من خبراء الاحتراف، فبينما تتدفق المواهب من دول المغرب العربي وغرب أفريقيا نحو الدوريات الكبرى كجزء من مسار طبيعي للتطور، يصطدم اللاعب المصري، على رغم امتلاكه الفنيات اللازمة، بجدار غير مرئي يعيده إلى المربع الأول.
وعلى رغم أن مصر لا تفتقر للمواهب، ولا تعاني من نقص في "الجينات" الكروية، إلا أن الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون خلف ستار "صعوبة اللغة" أو "عدم التأقلم"، تكمن في سد منيع يسمى "المنطقة الدافئة" حيث الرفاهية المفرطة والحصانة الاجتماعية التي يحظى بها اللاعب داخل وطنه، مما يخلق فجوة نفسية هائلة حين يواجه واقع الاحتراف الخارجي، وتتحول بمرور الوقت إلى قيد ذهبي يمنعه من التحليق في سماء الاحتراف الحقيقي.
امتيازات "النخبة"
في مصر، لا يُعامل لاعب الكرة بصفته رياضياً محترفاً فحسب، بل يتم تنصيبه "نجماً أول" في صفوة المجتمع، حيث يحاط بهالةٍ من التقدير الرسمي والشعبي تتجاوز حدود المستطيل الأخضر؛ فبين ليلةٍ وضحاها، يجد الشاب الصغير نفسه يمتلك نفوذاً اجتماعياً، وتسهيلات في المعاملات اليومية، ودعوات لا تنقطع الى أن يكون واجهةً لعلاماتٍ تجاريةٍ كبرى.
هذه "النجومية المطلقة" تصنع للاعب منطقة راحةٍ تصعب مغادرتها، ويتولّد لديه إشباع مبكّر للطموح. وهنا يبرز التساؤل الجوهري: لماذا يرحل هذا "الملك المتوج" ليصبح "مجرد لاعب" في نادٍ أوروبي متوسط، يلتزم فيه نظاماً غذائياً صارماً وساعات تدريبٍ شاقةٍ، ومواجهة صحافةٍ لا ترحم ومدربٍ لا يعترف بـ"النجومية التاريخية"؟

صدمة الواقع
هنا تكمن الأزمة الحقيقية، في الصدمة الحضارية التي يواجهها اللاعب المصري حين يطأ أرض الاحتراف. في أوروبا، تذوب الفوارق الطبقية والاجتماعية تحت مظلة "العطاء داخل الملعب". هناك، اللاعب هو ترس في آلةٍ احترافيةٍ، لا يملك ميزةً على غيره إلا بمدى التزامه وانضباطه. بينما اللاعب في مصر اعتاد أن تغفر له الجماهير "هفواته" في مقابل لقطة مهارية واحدة، وأن يجد الإعلام يبرر له تكاسله.
كثيرون من النماذج الواعدة آثروا العودة سريعاً، لا لنقص في إمكاناتهم الفنية أو البدنية، بل لعدم قدرتهم على العيش هناك في دور "الرجل العادي" خارج الملعب، خصوصاً أن العائد المادي في مصر، بات يضاهي رواتب أوروبا، ما عزز من هذه الرغبة في الانكفاء داخلياً.
تحدي العقلية لا الهوية
إن تعثر مشروع الاحتراف المصري ليس أزمة لغةٍ أو ثقافةٍ كما يُروج، بل هو أزمة "عقلية" تشكلت بسبب الدلال الزائد من الإعلام والجمهور والمؤسسات، ومواصلة صناعة نجومٍ محليين بـ"أقدامٍ من طين"، ينهار طموحهم أمام أول اختبار للجدية والالتزام الخارجي. لهذا تظل تجربة محمد صلاح استثناءً لأنه استطاع التمرد على هذه "الحصانة الاجتماعية" وقبِل التحدي من الصفر. ومن دون تغيير هذه المنظومة التي تمنح اللاعب "قداسة النجوم" قبل أن ينضج احترافياً، ستظل تُنتج مواهب تكتفي بالسيادة المحلية، وتخشى التحليق في سماء العالمية خوفاً من فقدان امتيازات "الفرعون المدلل".
نبض