بين صمود الهويّة وأزمات الواقع… أين تقف بوصلة الزمالك؟
لا تُقاس قيمة الأندية الكبرى بحصاد البطولات فحسب، بل بقدرتها على صون هويتها وسط العواصف والأزمات. ونادي الزمالك المصري، بخصوصيته التاريخية، اعتاد أن يظل رقماً صعباً في المعادلة مهما اشتدت الظروف؛ حاضراً بإرثه العريق، وبقاعدته الجماهيرية العريضة، وبصورته الذهنية كقطبٍ أصيل لا يرتضي لنفسه أن يكون مجرد "تكملة عدد" في جدول الترتيب.
لكن، بين صمود الهوية وضغط الواقع، يبرز التساؤل الجوهري: هل يقف الزمالك اليوم في خندق الدفاع عن تاريخه، أم هو يمهد الطريق لعودة حقيقية تليق بمكانته الطبيعية؟
خلال المواسم الماضية، ترنح النادي بين ردهات الأزمات الإدارية والفنية، وتعقيدات ملفات القيد، والعقوبات المتتالية، والقرارات المؤجلة التي أثقلت كاهله، ورغم ذلك، ظل الفريق عصيّاً على الانكسار، يظهر في كادر الصورة، تارةً بنتائج منتزعة من قلب المعاناة، وتارةً أخرى بهيبة الحضور والاسم.
وفي ظل النتائج المتذبذبة التي شهدتها المراحل الأخيرة من عمر الدوري، يبرز تيار جماهيري يرى أن "الاستمرارية وسط الركام" هي إنجاز في حد ذاته، وهؤلاء يمتلكون منطقاً لا يمكن إغفاله؛ فانتزاع نقاط صعبة من وسط الأزمات الإدارية ومنع القيد المتكرر، والحفاظ على الحضور في المربع الذهبي، بل والبقاء في وصافة الجدول متفوّقاً على أبرز منافسيه، الأهلي وبيراميدز، يعكس "مناعة تاريخية" يمتلكها قميص الزمالك.
هذا الصمود يمنح الجماهير شعوراً مشروعاً بالفخر؛ فالبقاء في دائرة الضوء رغم العثرات المتلاحقة ليس سهلاً، إلا أنه في الوقت ذاته يفتح باباً واسعاً للنقاش: هل يغدو "مجرد الاستمرار" سقفاً كافياً لطموحات نادٍ بحجم الزمالك؟

جزء من الخطاب الجماهيري والإعلامي مهّد كثيراً لفكرة "الاستمرار رغم الأزمات"، وهي وإن كانت صحيحة نسبياً، قد تتحول – من دون وعي – من محطة مؤقتة لالتقاط الأنفاس إلى مبرر طويل الأمد للإخفاق. فالزمالك لا يُختبر بقدرته على "التحمّل" فحسب، بل بقدرته على تحويل هذا الصمود إلى مشروع واضح المعالم، وأن يعيد ترتيب أزماته من الداخل ويضع الأولويات في نصابها الصحيح، بدلاً من الاكتفاء بمقارنات استنزافية مع المنافسين أو الارتكان لمبررات خارجية.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن وجود الزمالك في المشهد التنافسي يرفع من قيمة الدوري والبطولات ككل. فالمنافسة لا تكتسب بريقها إلا بحضور الأقطاب في كامل عتادها، وأي خلل يصيب أحد الأضلاع الرئيسية، وإن كان خللاً فنياً أو إدارياً لا غياباً رسمياً، يترك فجوة واضحة في جودة المنتج الكروي. لذا، فإن استعادة الزمالك لعافيته ليس مطلباً لجماهيره فقط، بل هي حاجة ملحة لإعادة التوازن المفقود في منظومة البطولة.
لكن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في إثبات أن الفريق "ما زال واقفاً"، بل في تحديد الاتجاه الذي ينحو إليه. فالهوية الزملكاوية ارتبطت تاريخياً بـ"الفن والهندسة"، وبالشخصية التي لا تكتفي بالمشاركة فقط. أما الواقع الراهن فيفرض حسابات أكثر تعقيداً تتطلب استقراراً إدارياً، وتخطيطاً فنياً بعيد المدى، فضلاً عن حل كامل الأزمات، ووضع استراتيجية واضحة للسير عليها. الزمالك لا يحتاج إلى تجميل أزماته ولا إلى جلد ذاته، بل إلى مساحة توازن تعترف بالمشكلة. فالأندية الكبرى لا تُختبر فقط في لحظات التتويج، بل في كيفية إدارة الفترات الرمادية.
نبض