بودو غليمت من القطب الشمالي إلى قمّة العالم
ما يحققه فريق بودو غليمت خلال هذا الموسم في دوري أبطال أوروبا، ليس مجرد سلسلة من المصادفات بل تحدٍّ حقيقي لكل المبادئ غير المكتوبة المعتادة في كرة القدم الحديثة، تلك المبادئ التي تربط النجاح بالمال، والتفوّق بالأسماء اللامعة، والموقع الأوروبي بالماضي العريق الذي لا يمكن لأحد شراؤه.
هذا الفريق الذي يمثل مدينة صغيرة في أقصى شمال أوروبا، لا يتجاوز عدد سكانها خمسين ألفاً، ويملك ملعباً لا يسع سوى ثمانية آلاف متفرج، يقف اليوم راسخاً في صلب المشهد الكروي الأوروبي، لا كزائر عابر أو منافس مؤقت، بل كقوة حقيقية تنقش اسمها بقوة بجانب كبار القارة.

لم يأتِ صعود بودو غليمت من العدم، بل هو نتيجة لجهود متواصلة ومخطط لها على مدى السنوات الأخيرة، ففي عام 2022، وصل الفريق إلى ربع نهائي دوري المؤتمر الأوروبي، ثم رفع سقف طموحاته أكثر عندما بلغ نصف نهائي الدوري الأوروبي في 2025، قبل أن يخرج أمام توتنهام بمجموع مباراتي الذهاب والإياب بنتيجة 5-1.
لكن التحول الكبير حدث هذا الموسم على الساحة الأوروبية وتحديداً في دوري أبطال أوروبا، فالفريق أدهش الجماهير بأداء مذهل ومفاجآت هزت أرجاء البطولة.
ومع انطلاق المنافسة، لم يكن الفريق ضمن دائرة الترشيحات أو يُنظر إليه كخصم جاد، إلا أنه، عندما حانت اللحظات الحاسمة في هذه البطولات التي لا تحتمل التهاون، أثبت خطأ التوقعات بجدارة، فقد قدّم عرضاً باهراً أمام مانشستر سيتي بقيادة بيب غوارديولا، وأكّد قدرته مرة أخرى بفوز آخر مذهل على أتلتيكو مدريد على ملعب الأخير.
ورغم إخفاقه في تحقيق أي فوز خلال أول ست مباريات، مكّنته روح الفريق وشجاعته الاستثنائية من اقتناص بطاقة التأهل إلى الأدوار الإقصائية، بعد تحقيق انتصارين فقط ضد اثنين من أصعب الفرق الأوروبية تكتيكياً.
ما يجعل بودو غليمت فريداً هو نجاحه بعيداً عن صخب الإعلام وبدون إنفاق ميزانيات ضخمة أو استثمارات خرافية، فقد استطاع تجاوز فرق يقودها مدربون بحجم كونتي وأخرى أنفقت مئات الملايين دون أن تحقق الأداء المأمول.
من أعماق الدائرة القطبية الشمالية، ظهر بودو غليمت ليؤكد للجميع أن النجاح لا ينتظر إذناً أو تأييداً من أحد، بل يحتاج فقط إلى شخصية شجاعة وإرادة قوية.
نبض