عادل بولبينة: ست دقائق صنعت "أسطورة" وجعلت الجزائر تحلم
ثمة لحظات في كرة القدم تتجاوز حدود اللعبة، لتغدو محفورة في وجدان الجماهير، وتصبح ذكرى لا تُنسى. هذه الحقيقة تجسدت بأبهى صورها في هدف النجم الجزائري الشاب عادل بولبينة في شباك منتخب الكونغو الديمقراطية، خلال ثمن نهائي كأس أمم أفريقيا 2025 بالمغرب.
كرة واحدة، ست دقائق، جعلت قلوب المتواجدين في ملعب "مولاي الحسن" في الرباط وخلف الشاشات تخفق مع كل لمسة، وصرخة المعلق الشهير حفيظ دراجي تتردد في أذهان الجميع: "حطها فالغول يا رياض"، لكن هذه المرة ارتدت الجماهير صياغة جديدة: "يا يما يا يما.. يا عادل.. يا هدف!"، لتصبح اللحظة تاريخية في سماء الجزائر.
البداية من جيجل!
بدأت رحلة بولبينة في مدينة الميلية بولاية جيجل، حيث كان شغفه الأول بالكرة تحت تأثير والده الذي حوله من حارس مرمى إلى مهاجم، مؤكداً له أن الحلم أكبر من موقعه على الملعب، وأن الشغف وحده قادر على رسم المسار.
بخطواته الأولى، أظهر إصراراً وثقة فريدة، دفعته إلى الانضمام إلى نادي بارادو، المعروف بصقل المواهب وصناعة اللاعبين المميزين. هناك تعلم القراءة الدقيقة للعبة، وصقل مهاراته الفنية بطريقة تجعل كل لمسة منه قابلة للتحول إلى حدث. خلال أربع سنوات مع الفريق الأول، خاض 106 مباراة سجل خلالها 36 هدفاً وقدم 19 تمريرة حاسمة، أرقام ليست مجرد إحصائيات، بل شهادة على موهبة ناضجة تستعد للتألق في القارة والعالم.
نحو قطر
تألقه في الدوري الجزائري لفت الأنظار إلى إمكانية الانتقال إلى الزمالك المصري، لكن بولبينة اختار الطريق نحو الدحيل القطري حيث المدرب جمال بلماضي، حيث أثبت سريعاً أنه ليس مجرد لاعب محلي، بل نجم قادر على صناعة الفارق بأهداف وتمريرات حاسمة، وفي دوري أبطال آسيا صدم الجميع بثلاثة في شباك الاتحاد السعودي، وأشاد به أسطورة الكرة كريم بنزيما الذي وصفه بأنه "لاعب قوي وممتاز". هذه المرحلة أكدت أن انتقاله إلى الخليج لم يكن مجرد محطة مالية، بل فرصة للتطور واكتساب الخبرة في منافسة على مستوى قاري.
وبفضل تألقه في بارادو والدحيل، جاء استدعاء المنتخب الوطني للمشاركة في كأس العرب تحت قيادة مجيد بوقرة، وهناك لم يضيّع بولبينة الفرصة. سجل ثلاثة أهداف ومرر كرة حاسمة، مؤكداً أنه قادر على التألق في البطولات الكبرى وأنه أكثر من مجرد لاعب شاب يبحث عن الخبرة. لكن مشواره مع المنتخب الأول لم يكن سلساً، حيث بقي على الهامش في بداية كأس أفريقيا بسبب اختيارات المدرب فلاديمير بيتكوفيتش الذي اضطر للاعتماد على الشاب الموهوب بسبب إصابات يوسف بلايلي وأمين غويري، لتُفتح له نافذة الفرصة
أسطورة بست دقائق
في ثمن النهائي ضد الكونغو، دخل بولبينة المباراة في الدقيقة 113 كبديل، واحتاج إلى ست دقائق فقط، من أجل صنع المستحيل. استلم الكرة على الجهة اليسرى، تبادل لمسات سريعة مع زميله رامز زروقي، ثم أطلق كرة صاروخية ارتطمت بالعارضة قبل أن تستقر في الشباك، لحظة انفجر فيها الملعب، وتصاعدت صيحات الجماهير التي احتفت بالهدف كرمز للأمل والشجاعة. تحول بولبينة من لاعب مجهول عالمياً إلى بطل اللحظة والحلم الجزائري، وأثبت أن كرة القدم أحياناً تصنع أساطيرها في لحظة واحدة.
لم يكن الهدف مجرد كرة في الشباك، بل رسالة قوية لكل من يشكك في قيمة المواهب المحلية. والده فريد بولبينة روى كيف تنبأ ابنه يوسف بأن عادل سيشارك ويهدي الجزائر الفوز، وكيف غمر الفرح منزل العائلة بعد الهدف. حتى اللاعب نفسه لم يستطع كبح دموعه، وقال: "عندما ترى الشعب الجزائري يتابعك ويدعمك حتى أمام الفندق، وتشعر أنك جعلتهم سعداء، هذا فخر كبير".

الاهتمام الأوروبي
يُبرز بولبينة نجماً صاعداً بفضل مهاراته المتعددة، حيث يجيد اللعب كمهاجم محوري أو جناح أيسر أو أيمن، ما يربك الدفاعات ويمنح مدربه خيارات هجومية متنوعة. قدرته على التسديد من بعيد، وهدوؤه تحت الضغط، وذكاؤه التكتيكي في قراءة المباراة واتخاذ القرارات بسرعة مذهلة، كلها تجعل منه لاعباً مميزاً يثير اهتمام الأندية الأوروبية، خاصة في إنكلترا، مع وعيه الكامل بأن أي خطوة نحو أوروبا يجب أن تُحسب بدقة للحفاظ على تطوره الفني والتكتيكي.
ستظل ست دقائق بولبينة ضد الكونغو درساً في الصبر والعمل وانتظار الفرصة المناسبة، وأثبتت أن اللاعب المحلي إذا ما توفرت له الظروف يمكنه إبهار القارة بأكملها، وأن أساطير الكرة تصنع في لحظة واحدة، لكنها تُحفر في الذاكرة إلى الأبد. من الملاعب الصغيرة في الميلية إلى هدفه الساحر في المغرب، ومن بارادو إلى الدحيل، ومن البديل إلى بطل اللحظة، يبدو أن أفضل فصول عادل بولبينة لم تُكتب بعد، وأن الجزائر أمام قصة نجم عالمي يولد في المغرب.
نبض