أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي شريان حياة في عالم اليوم، بعدما لعبت دوراً مهماً جداً في بناء التواصل وكذلك تبادل المعلومات. وفيما وفرت لنا بعض الامتيازات، إلا أنه كان لها دائماً بعض التأثيرات السلبية، حيث أنتجت التفاعلات الرقمية في كثير من الأحيان خلافات، وتبادلات عدوانية ولغة غير متحضرة. ولأن وسائل التواصل الاجتماعي تعتمد على الخوارزميات، فإنها قادرة على إنتاج ما يشبه "غرف الصدى" تعمل على تعميق الاختلافات المجتمعية وتعزيز التحيزات الموجودة مسبقاً. وهنا برز مفهوم سمّية Toxicity وسائل التواصل الاجتماعي، فيما يحيط القلق المتزايد من تأثير منصات التواصل الاجتماعي على الخطاب العام وتأثيرها على الديناميكيات الاجتماعية، خاصة في سياق السميّة.
سميّة وسائل التواصل
"سميّة وسائل التواصل" مصطلح مستخدم لوصف مجموعة متنوعة من الإجراءات والنتائج الضارة التي تحدث على المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي، ويمكن أن تشمل هذه العوامل الاستقطاب السلبي، والمعلومات المضللة، والإدمان، والتسلط، والتحرش، وحالات الصحة العقلية مثل الحزن والقلق.

وتتغير وسائل التواصل الاجتماعي على مر السنين، ولكن السلوك البشري السام لا يزال قائماً. وتدور في الأوساط الأكاديمية اليوم، مناقشة مستمرة حول مدى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على المجتمعات باختلافها وعلى الديموقراطيات وحياتنا عامةً، وخاصةً ما إذا كانت قد ساهمت في جعل النقاش العام أكثر سميّة Toxicity.
وحددت دراسة جديدة في مجلة Nature أشرف عليها مركز علوم البيانات والتعقيد للمجتمع في قسم علوم الكمبيوتر جامعة سابينزا في روما، بالتعاون مع جامعة سيتي في لندن ومعهد الأنظمة المعقدة CNR في روما أنماط المحادثة البشرية المُتكرّرة "السامة" على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تكون شائعة بين المستخدمين بغض النظر عن النظام الأساسي المستخدم، وموضوع المناقشة، والسياق الذي جرت فيه المحادثة.
وتشير الدراسة إلى أن المحادثات المُطوّلة على وسائل التواصل الاجتماعي تكون أكثر عرضة للسمية والاستقطاب عندما تؤدي وجهات النظر المتباينة من النقاش إلى تصاعد الخلافات. وعلى عكس الافتراض السائد، تشير الدراسة إلى أن التفاعلات السامة لا تمنع المستخدمين من المشاركة، كما تشير أيضاً إلى أن السميّة لا تتصاعد بالضرورة مع تطور المناقشات.
وقامت الدراسة بعزل العديد من السلوكيات لمحاولة فهم أين تبدأ السميّة عبر الإنترنت وأين تنتهي بوضوح، ويحلل البحث أكثر من 500 مليون موضوع ومنشور ومحادثة عبر ثماني منصات على مدار 34 عاماً، واستخدمت الدراسة نهجاً مقارناً لاستكشاف العوامل الحاسمة المتعلقة باستمرار التفاعلات السامة في المجتمعات الرقمية. وشملت المنصات فايسبوك، وريديت، وجاب، ويوتيوب الأكثر حداثة، وUSENET الأقدم وهو نظام مناقشة موزع عالمياً أنشئ في عام 1980، قبل أكثر من عقد من وصول شبكة الويب العالمية إلى عامة الناس.
.jpg)
وبحسب معطيات الدراسة، جاءت النتيجة أن السميّة مرتبطة أكثر بالبشر ولم تظهر الآن على وجه التحديد كنتيجة لوسائل التواصل الاجتماعي، حيث تشير الدراسة إلى أنه "على الرغم من التغيرات في وسائل التواصل الاجتماعي والأعراف الاجتماعية مع مرور الوقت، فإن بعض السلوكيات البشرية لا تزال قائمة، بما في ذلك السميّة".
ووجدت الأبحاث الأكاديمية حول السلوك عبر الإنترنت صعوبة في العثور على بيانات جيدة للتمييز بين السلوك البشري الصحيح وما يسببه تصميم وسائل التواصل الاجتماعي وخوارزمياتها الشهيرة. تحاول هذه الورقة البحثية حول السمية كشف هذا الاختلاف جزئياً.
وجدت الدراسة أن السميّة على وسائل التواصل الاجتماعي هي نتاج للطبيعة البشرية أكثر من كونها نتاجاً للتكنولوجيا: "لا تؤدي السمية في المحادثات عبر الإنترنت بالضرورة إلى إيقاف تفاعلات الناس أو تشجيعها. يقول والتر كواتروسيوتشي، الأستاذ بجامعة "لا سابينزا" والمؤلف المشارك: "إنه انعكاس للسلوك البشري نفسه كما يُرى عبر المنصات والسياقات".
ووجدت الدراسة أيضاً أن الاستقطاب وتنوع الآراء قد يساهمان في المناقشات العدائية عبر الإنترنت أكثر من السميّة نفسها. قد ينتهي الأمر بالمستخدمين إلى إطالة المحادثة وعدم احترام الخصم السياسي بسبب الآراء المتضاربة بدلاً من قراءة التعليقات الوقحة أو العدائية. يؤكد كواتروسيوتشي: "يمكننا أن نستنتج أن الاستقطاب يميل إلى تعزيز المشاركة على المنصات من خلال تعزيز التفاعلات الجدلية بين المستخدمين ذوي الآراء المختلفة". ويضيف: "التفاعلات الناجمة عن الجدل والنقاش قد يكون لها تأثير أكبر على الحفاظ على نشاط المستخدم من السمية".
قد تساعد هذه النتيجة وسائل التواصل الاجتماعي في التعامل مع الإشراف على المحتوى بشكل مختلف وتصفية المحتوى السام بشكل أفضل، بحيث يكون مثل هذا السلوك البشري أقل وجوداً عبر الإنترنت. يوضح الباحث: "يمكن تصميم الأنظمة لتشجيع المناقشات الصحية دون الوقوع في التسمم، ويمكن أن يكون الإشراف على المحتوى حساساً لتعقيدات السلوك البشري".
على الرغم من أن الدراسة تشير إلى أن بعض السميّة مرتبطة بالسلوك البشري على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن هذا لا يعني أن جميع التفاعلات عبر الإنترنت محكوم عليها بأن تكون سامة أو أن الجهود المبذولة للتخفيف من مثل هذه اللقاءات غير مُجدية، ويعتبر كواتروسيوتشي "أن الطريقة الأكثر فعالية لتقليل التسمم عبر الإنترنت هي توعية الأشخاص بسلوكنا عبر الإنترنت، ولهذا السبب، قبل كل شيء، نحتاج إلى تدريب على الوسائط المعرفية".
نبض