في ليلة شديدة البرودة، قد يخالج شعورك بالبرد القاسي سؤال وجودي عن سبب شعور أجسامنا بهذه البرودة من الأصل. علماء جامعتي ميشيغان وجونز هوبكنز كشفوا النقاب عن البروتين المسؤول عن شعور الثدييات بالبرودة؛ مما يسد فجوة معرفية طويلة الأمد في مجال البيولوجيا الحسية.
ونشر الباحثون أخيراً ورقة بحثية في دورية "نيتشر نيوروساينس"، حدّدوا من خلالها البروتين المسمى GluK2، المسؤول عن إحساسنا بدرجات الحرارة الباردة، وكذلك كشفوا أسباب تباين معاناة بعض المرضى مع البرد، في ظل ظروف مرضية معينة.
ويقول العلماء إنّ البروتين GluK2، موجود في الدماغ، ويُعتقد أنه يلعب دوراً رئيسياً في التعلم والذاكرة، لكن البحث الجديد يفيد بإمكانية أن يكون له مهام غير معروفة في أماكن أخرى من الجسم؛ حيث يلعب دوراً غير متوقع ومتبايناً تماماً.
"النهار العربي" اطلع على الدراسة والبيان الذي أصدرته جامعة ميشيغان حول هذا الاكتشاف المهم، الذي يكلل رحلة بحثية طويلة بدأت قبل 20 عاماً، عندما اكتشف العلماء بروتين مستشعر للحرارة يسمى "TRPV1".
نقطة انطلاق
يقول عالم الأعصاب شون شو، الأستاذ في معهد علوم الحياة بجامعة ميشيغان وكبير مؤلفي الدراسة الجديدة: "في ما قبل اكتشفت الدراسات المختلفة البروتينات المسؤولة عن استشعار درجات الحرارة الساخنة والدافئة، وحتى الباردة، لكننا لم نتمكن من تأكيد درجات الحرارة التي تقل عن حوالي 60 درجة فهرنهايت (15.5 درجة مئوية)."
وفي دراسة أجريت عام 2019، اكتشف الباحثون في مختبر شو أول بروتين مستقبلات استشعار البرد في الديدان من نوع يسمى ربداء الرشيقة (بالإنكليزية: Caenorhabditis elegans)، وهو نوع من الديدان يبلغ طولها ملليمترات، وتُدرس في المختبر كنظام نموذجي لفهم الاستجابات الحسية.

تجارب معملية
تعدّ القناة الأيونية المسماة TRPM8 هي المسؤولة عن الإحساس بدرجات الحرارة الباردة، وساعد هذا الاكتشاف في حصول مكتشفيه على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء عام 2021.
لكن القناة الأيونية TRPM8 لا تروي القصة بأكملها، إذ إنها تعمل بكفاءة أكبر عند درجات حرارة أعلى من 10 درجات مئوية تقريباً، ولا يزال بإمكان الفئران التي تفتقر إلى جين TRPM8 اكتشاف درجات الحرارة شديدة البرودة، وهو ما مثل دافعاً للبحث عن البروتين المسؤول عن الإحساس بالبرد القارص.
في الدراسة الأخيرة، اختبر العلماء فرضيتهم على نماذج الفئران، التي كانت تفتقد الجين المسؤول عن تخليق بروتين GluK2، وبالتالي لم تتمكن من إنتاج أي بروتينات GluK2.
من خلال سلسلة من التجارب، اختبر الباحثون ردود الفعل السلوكية للحيوانات على درجة الحرارة والمحفزات الميكانيكية الأخرى، ووجدوا أن الفئران تستجيب بشكل طبيعي لدرجات الحرارة الساخنة والدافئة والباردة، ولكنها لم تظهر أي استجابة للبرد الضار، وبالتالي أثبتوا مسؤولية بروتين GluK2 عن الإحساس بالبرد الضار.
والبرد الضار مصطلح يشير إلى درجات الحرارة المنخفضة التي يتعرض لها الإنسان، والتي عادة ما تكون أقل من 10 درجات مئوية، ويتسبب في عدة أعراض، تشمل: انخفاض حرارة الجسم، وقشعريرة، وآلام المفاصل والعضلات، وضيق التنفس، والالتهاب الرئوي، وقد تصل إلى النوبات القلبية، والسكتة الدماغية.

أهداف علاجية
يشار إلى أنّ بروتين GluK2يؤثر في المقام الأول على الخلايا العصبية في الدماغ؛ إذ يستقبل إشارات كيميائية تسهل الاتصال بين الخلايا العصبية. كما يتم التعبير عن هذا البروتين في الخلايا العصبية الحسية في الجهاز العصبي المحيطي، أي خارج الدماغ والحبل الشوكي.
ويغلق اكتشاف هذا البروتين باباً من التساؤلات حيال لغز استشعار درجة الحرارة الباردة، ويعتقد شو أن نتائج الدراسة الجديدة يمكن أن يكون لها آثار على صحة الإنسان ورفاهه؛ إذ إن مرضى السرطان الذين يتلقون العلاج الكيميائي، غالباً ما يعانون من ردود فعل مؤلمة بسبب البرد.
ويرى عالم الأعصاب أنّ اكتشاف البروتين GluK2 كمستشعر للبرد في الثدييات يفتح مسارات جديدة، تساعد في فهم سبب تعرض البشر لردود فعل مؤلمة - نتيجة البرد - بشكل أفضل، وربما يقدم هدفاً علاجياً محتملاً لعلاج هذا الألم في المرضى الذين يتم تحفيز إحساسهم بالبرد بشكل مفرط.
نبض