19-03-2024 | 06:00

زراعات الدّماغ بين الأحلام والمخاوف

إن فكرة استخدام الأقطاب الكهربائية المزروعة للتحكم في العقل أو التأثير عليه موجودة منذ الستينيات على الأقل
زراعات الدّماغ بين الأحلام والمخاوف
Smaller Bigger

انتشر خلال القرن العشرين الخيال العلمي الشعبي الذي يناقش زراعة الدماغ والتحكم في العقل، وغالباً ما كان يحمل نظرة بائسة. ففي السبعينيات تناول الأدب والروايات هذا الموضوع، بما في ذلك رواية "الرجل الطرفي" بقلم "مايكل كرايتون"،  وتحكي قصة رجل يعاني من تلف في الدماغ خضع لعملية زرع دماغية جراحية تجريبية مُصمّمة لمنع النوبات؛ لكن الرجل استغلّ هذه العملية عن طريق استخدامها في أمور مسيئة.

إن فكرة استخدام الأقطاب الكهربائية المزروعة للتحكم في العقل أو التأثير عليه موجودة منذ الستينيات على الأقل؛ إذ تحوم "تكنولوجيا العقل" منذ فترة طويلة في مكان ما بين العلم والخيال.

 مفهوم عمليات زرع الدماغ

بداية لا بد من التمييز بين مفهومين في هذا الإطار هما Brain Implant  و Brain  transplant  يختلف مفهوم المصطلحين باللغة الإنكليزية ويترجم بالعربية بالعبارة نفسها "زرع الدماغ". في هذه المقالة نتناول الحديث عن Brain Implant، والتي يشار إليها غالباً باسم عمليات الزرع العصبية وهي عبارة عن أجهزة تكنولوجية توضع عادة على سطح الدماغ أو متصلة بقشرة الدماغ.

الهدف المشترك لزرع الدماغ الحديث وهو ما تركز عليه الكثير من الأبحاث الحالية، مثل إنشاء طرف صناعي طبي حيوي يلتف حول مناطق في الدماغ والتي أصبحت مُختلة بعد السكتة الدماغية أو إصابات الرأس الأخرى، وهذا يشمل الاستبدال الحسي. وتتضمن بعض عمليات زرع الدماغ إنشاء واجهات بين الأنظمة العصبية ورقائق الكمبيوتر، وتعد جزءاً من مجال بحثي أوسع يسمى واجهات الدماغ والحاسوب، وتتضمن أبحاث واجهة الدماغ والحاسوب أيضاً تكنولوجيا مثل مصفوفات مخطط كهربية الدماغ EEG التي تسمح بالتفاعل بين العقل والآلة ولكنها لا تتطلب زرعاً مباشراً للجهاز.

 

 

تعمل غرسات الدماغ على تحفيز أو تسجيل الخلايا العصبية المفردة أو مجموعات الخلايا العصبية (الشبكات العصبية البيولوجية) في الدماغ كهربائياً، ولا يمكن القيام بذلك إلا عندما تكون الارتباطات الوظيفية لهذه الخلايا العصبية معروفة تقريباً، وذلك نظراً لتعقيد المعالجة العصبية وعدم الوصول إلى الإشارات المرتبطة بإمكانية الحركة باستخدام تقنيات التصوير العصبي.

وكان تطبيق زراعة الدماغ محدوداً نظراً لخطورته ودقّته حتى في ظل التطورات الحديثة في الفيسيولوجيا العصبية وقوة معالجة الكمبيوتر، ولكن هذا لا ينفي أن الأبحاث في مجال الإحلال الحسي أحرزت تقدماً كبيراً في السنوات الأخيرة.

هنا يمكن الحديث عن إعلان شركة Neuralink الأخير حول الزرع الناجح لشريحة الشركة الجديدة في الدماغ البشري والذي يبدو أنه أحدث تغييراً كبيراً. والشريحة القابلة للزرع والممكن التحكم بها عن طريق الفكر ستكون بمثابة قفزة نوعية إلى الأمام، فالطب يدفع باستمرار إلى حدوده الخاصة، وثمة قوى مختلفة تدفعه إلى الأمام، بينها رغبة الأطباء في مساعدة مرضاهم، وأيضاً الأمل الذي يحفز المرضى وعائلاتهم على الاستمرار... وبالنسبة لأصحاب المشاريع الطبية، هناك الحافز الاقتصادي.

تهدف تجربة Neuralink الحالية والتي تسمى The PRIME Study إلى تزويد الأفراد المصابين بالشلل الرباعي بالقدرة على التحكم في الأجهزة الخارجية بأفكارهم.

 

ويقول الخبراء في هذا المجال إن هذه التكنولوجيا المعروفة باسم واجهة الدماغ الحاسوبية BCI لديها مجموعة واسعة من التطبيقات المحتملة، وخاصة بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة.

 
 

توظيفات الغرسة العصبية تاريخياً

تستخدم الأجهزة التعويضية العصبية منذ 40 عاماً، وقد أصبح ذلك ممكناً بفضل التقدم في مجال الإلكترونيات الدقيقة وتطوير المواد المتوافقة حيوياً والتقدم في التقنيات الجراحية. ورغم أن الكثير من هذه الخطوات لم تكن ناجحة، إلا أن اتجاهها العام واضح وفي ما يلي بعض الأمثلة:

تستخدم الأجهزة الكهربائية العضلية للتحكم في الأطراف الاصطناعية، وهي تستخدم الإشارات الكهربائية التي يولدها الجهاز العصبي المحيطي، لذا فهي لا تتضمن عمليات زرع في الدماغ. أشهر مثال مبكر، والمعروف باسم ذراع بوسطن، ظهر في أواخر الستينيات، المستخدمون الأوائل – مبتورو الأطراف فوق الكوع – لم يعجبهم كثيرًا، ولكن يتم إجراء التحسينات باستمرار، في الوقت الذي يريد المستخدمون ردود فعل حسية أفضل، فهم يريدون أن يشعروا بوضعية طرفهم الاصطناعي بدلاَ من الاضطرار إلى التحقق من ذلك بأعينهم.

ثم هناك زراعة القوقعة الصناعية والتي تعتبر أحيانًا أول طرف صناعي عصبي، وقد بدأت الأبحاث في الخمسينيات حيث يقوم القطب الكهربائي المزروع في الأذن بتحويل الموجات الصوتية إلى نبضات كهربائية تنتقل إلى العصب السمعي، كما ظهرت نماذج مختلفة، باستخدام برامج مختلفة، وأقطاب كهربائية مختلفة، وتتطلب أساليب جراحية مختلفة.

وهناك أيضاً التحفيز العميق للدماغ DBS والذي كان قيد التطوير منذ أواخر التسعينيات، وهذا ينطوي على زرع في الدماغ، وحصل DBS على موافقة إدارة الأغذية والعقاقير FDA لعلاج مرض باركنسون في عام 2002. ومنذ ذلك الحين، قام الآلاف من الأشخاص الذين يعانون مرض باركنسون والارتعاش مجهول السبب بإجراء عمليات زرع، حيث يقوم جهاز يشبه جهاز تنظيم ضربات القلب بتحفيز منطقة من الدماغ يختارها الجراح، اعتمادًا على أعراض المريض. وهناك العديد من قصص نجاح تقنية DBS ومحاولات مختلفة لاستكشاف تطبيقات أخرى محتملة لهذه التكنولوجيا.

يضاف لهذه التقنيات، واجهات الدماغ والحاسوب BCI والتي طوّرت تقنياتها شركة Neuralink، وهي الأجهزة التي تنشئ مسار اتصال مباشر بين النشاط الكهربائي للدماغ والمخرج الخارجي. حيث تلتقط أجهزة الاستشعار الخاصة بهم الإشارات الكهربية المنقولة بين الخلايا العصبية في الدماغ وتنقل تلك المعلومات إلى مصدر خارجي، مثل جهاز كمبيوتر أو طرف آلي، والذي يسمح للشخص بتحويل أفكاره إلى أفعال.

تمر رقائق الدماغ هذه فوق فروة الرأس في جهاز يمكن ارتداؤه، أو يتم وضعها جراحياً تحت فروة الرأس أو حتى يتم زرعها داخل أنسجة المخ. والفكرة هي أنه كلما كانت الشريحة أقرب إلى الشبكة العصبية للدماغ، كلما كان من الممكن تفسير الإشارة بشكل أكثر وضوحاً أو "عالية الوضوح".

ً

التحدّيات والمخاطر

وعلى الرغم من الفوائد المحتملة، إلا أن هناك تحديات كبيرة ومخاوف أخلاقية تحيط بشركة Neuralink، ما دفع العديد من الخبراء لتوخي الحذر.

وتتمثّل المخاوف المتعلقة بها وفق اتجاهين أساسيين:

  • 1- التوافق الحيوي والمخاطر الصحية: زرع أجسام غريبة في الدماغ يحمل مخاطر كامنة. توجد مخاوف بشأن التوافق الحيوي، والتلف المحتمل للأنسجة، والآثار الصحية طويلة المدى للتفاعلات المزروعة والقطب الكهربائي مع الدماغ. ويعد اختبار السلامة الشامل والمراقبة طويلة المدى أمرًا بالغ الأهمية قبل الاستخدام على نطاق واسع.
  • 2- القرصنة والثغرات الأمنية: تخيل أن أفكارك وذكرياتك تتعرض للاختراق. وتثير أجهزة BCIs مخاوف أمنية غير مسبوقة. حيث يمكن للجهات الخبيثة الوصول إلى بيانات الدماغ والتلاعب بها، مما يؤدي إلى انتهاك الخصوصية، أو سرقة الهوية، أو حتى التلاعب بالأفكار والسلوك. تعتبر تدابير الأمن السيبراني القوية والأطر الأخلاقية ذات أهمية قصوى. ومع ذلك، فإن احتمال سوء الاستخدام يلوح في الأفق بشكل كبير، بما في ذلك المخاوف بشأن القرصنة والتلاعب ببيانات الدماغ.

مما لا شك فيه، يمثل تطوير الواجهات العصبية مثل Neuralink حدودًا جديدة في كل من التكنولوجيا والطب ويعد بإحراز تقدم كبير في كيفية تفاعلنا مع الآلات وعلاج الحالات الصحية المعقدة. ومع ذلك، فإنه يتطلب أيضاً دراسة متأنية للقضايا الأخلاقية والخصوصية والسلامة مع تقدم هذه التقنيات.

من المهم ملاحظة أن البحث المستمر والمناقشات الأخلاقية والتطورات التنظيمية ستشكل كيفية معالجة هذه المخاوف مع استمرار تقدم تقنيات واجهة الدماغ والحاسوب. وينبغي أن تلعب المشاركة العامة والاعتبارات الأخلاقية دوراً مركزياً في تشكيل مستقبل هذه التكنولوجيات. كما أن التقييم المقارن للفوائد والمخاطر هو أمر ذاتي لذلك من الصعب ألا نتساءل ما الذي يحدد كيفية سير الأمور، وبينما نقف على حافة حقبة جديدة في علم الأعصاب والتكنولوجيا، فإن الاحتمالات مبهجة ومرهقة في الوقت نفسه.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.