بعد أكثر من 90 عاماً على ابتكار مصطلح "المادّة المظلمة"، يبرز تشكيكٌ بالحاجة العلميّة التي أدّت إلى افتراضه في المقام الأوّل. سنة 1933، صاغ العالم السويسريّ في "معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا" فريتز زويكي المصطلح لوصف المادّة غير المرئيّة التي تفسّر تبايناً في المعلومات المتوفّرة بشأن إحدى الظواهر.
كان العلماء ينظرون حينها إلى عنقود كوما المجرّيّ الذي يبعد عن الأرض أكثر من 322 مليون سنة ضوئيّة. والسنة الضوئيّة عبارة عن المسافة التي يجتازها الضوء في سنة واحدة وهي تفوق 9 تريليونات كيلومتر.
لاحظ زويكي حينها أنّ المجرّات في ذلك العنقود كانت تتحرّك بسرعة أكبر من المفترض، لدرجة أنّ هذه السرعة ستمزّق العناقيد. بالتالي، كان يُفترض وجود شيء يثبّت هذه العناقيد في مواضعها. اللافت أنّ نظريّة زويكي غابت بعد ذلك عن التداول نحو 40 عاماً.
هذه المرّة، كان دور عالمة الفلك في "مؤسّسة كارنيغي" فيرا روبين لإعادة تسليط الضوء على تلك الظاهرة. لاحظت روبين أنّه توجّب على النجوم الموجودة عند أطراف المجرّات أن تتناثر أيضاً بعيداً من بيئتها بسبب سرعة دورانها. لا بدّ من أن يكون هناك جذب ثقاليّ من مادّة موجودة لكنّها لا تصدر الضوء، كما خلصت روبين. يقدّم الفيديو أدناه تفسيراً عن سبب الحاجة إلى مادّة إضافيّة عن تلك الموجودة لدى محاولة فهم بقاء النجوم البعيدة عن مركز المجرّة في مداراتها.
اقترح العلماء عدداً من الجسيمات التي قد تشكّل تلك المادّة المظلمة مثل "ويمبس" (الجسيمات الكتلويّة المتفاعلة بشكل ضعيف) أو الأكسيون. في جميع الأحوال، يشير العلماء إلى أنّ المادّة المظلمة تمثّل نحو 25 في المئة من الكون وإلى أنّها لا تتفاعل مع الأجسام الأخرى ولا حتى مع بعضها البعض. بما فيها الموادّ المظلمة نفسها، باستثناء الجاذبيّة.
بما أنّ المصادمات العملاقة فشلت في رصد تلك المادّة مباشرة، ظلّت الأدلّة التي تشير إلى وجود المادّة المظلمة أدلّة غير مباشرة بطبيعتها، ما فتح المجال أمام البحث عن فرضيّات أخرى لتفسير الديناميّات الغريبة للمجرّات أو لعناقيدها.
ما الذي تقوله الدراسة الجديدة؟
كان الأستاذ في كلّيّة لندن الجامعيّة جوناثان أوبنهايم أحد الذين تجرّأوا مؤخّراً على محاولة دحض ما يمكن تسميته بالحكمة التقليديّة.
كتب أوبنهايم على موقع "أكس": "لقد أظهرنا أنّ نظريّتنا في الجاذبيّة... يمكن أن تفسّر توسّع الكون ودوران المجرّة من دون وجود مادّة مظلمة أو طاقة مظلمة". (افترض العلماء "الطاقة المظلمة" لتفسير توسّع الكون بما يعاكس مفعول الجاذبيّة).
Folks, something seems to be happening... We show that our theory of gravity is valid down to the shortest distances https://t.co/SZvD0TGw90. and that it can explain the expansion of the universe and galactic rotation without dark matter or dark energy https://t.co/GzXBvXYd7K 1/
— Jonathan Oppenheim (@postquantum) March 1, 2024
في ورقته البحثيّة مع طالب الدكتوراه في كليّة لندن الجامعيّة أندريا روسّو، يشبّه أوبنهايم المادّة المظلمة بنظريّات فيزيائيّة اندثرت كان العلماء قد ابتكروها لتفسير ظواهر مراوغة مثل الأثير كما كتبت صحيفة "ذا غارديان". بحسب نظريّة أوبنهايم الذي أمضى خمسة أعوام في صياغتها، يتميّز نسيج الزمكان بالتذبذب. والمعدّل الذي يتدفّق الوقت من خلاله سيتقلّب عشوائياً ويشوّه الفضاء بحيث يتباعد الزمن في بقع مختلفة من الكون. بذلك، إنّ الطاقة الإضافيّة اللازمة لإبقاء النجوم مثبتة في مدارها تتوفّر عبر التقلّبات العشوائيّة في الزمكان من دون الحاجة إلى فكرة المادّة المظلمة.
اختبار شاندراسيخار
رفضُ وجود المادّة المظلمة ليس جديداً. على سبيل المثال، كتب أستاذ الفيزياء الفلكيّة في جامعة بون الألمانيّة بافل كروبا في تمّوز 2022 عن اختبار (عالم الفيزياء) سوبراهمانيان شاندراسيخار القديم (1943) الذي يظهر كيف أنّ جسماً ضخماً (كمجرّة صغيرة) يتحرّك عبر خلفيّة من الجسيمات ذات الكتلة المنخفضة نسبياً (كجسيمات المادّة المظلمة مثلاً) سيتباطأ. يوضح كروبا أنّ "احتكاك شاندراسيخار الديناميكيّ" مفهوم جداً ويستخدمه العلماء في إطلاق المركبات إلى الفضاء حيث تمرّ أوّلاً بالقرب من كوكب ما فيتباطأ الأخير بداية قبل أن يقذف المسبار الخفيف الوزن بعيداً نحو محطّته التالية.
قام كروبا مع عدد من زملائه بتطبيق هذه الديناميكيّة على عدد من أنظمة المجرّات المرصودة. تبيّن أنّ المجرّات تتصرّف وكأنّها عارية من هالة المادّة المظلمة المفترضة. بمعنى آخر، بدلاً من ملاحظة تباطؤ المجرّات حين تقترب بعضها من بعض تمّ رصد تسارعها.
نظريّة أخرى
كروبا، كما أوبنهايم، أيّدا إجراء المزيد من الدراسات قبل إثبات نظريّتيهما، بالرغم من أنّ كروبا أكثر تطرّفاً في رفض فكرة المادّة المظلمة.
في الثمانينات، اقترح عالم الفيزياء مورديهاي ميلغروم أنّ قوانين نيوتن للحركة قد تختلف اختلافاً صغيراً على مستوى المجرّة بالمقارنة مع ما يجري على الأرض. بالتالي، قد توفّر هذه الديناميّات النيوتونيّة المعدّلة "موند" الجاذبيّة المطلوبة لضبط المجرّات بدلاً من المادّة المظلمة. لم تجد هذه النظريّة أدلّة كافية تدعمها. هنا، يعتقد أوبنهايم أنّ نظريّته قد تكون داعمة لـ"موند" لكنّ ما يلفت النظر إليه تحديداً أنّ نظريّته ليست مجرّد تعديل بسيط لـ"موند"، بل هي نتيجة ضروريّة لجمع النسبيّة مع ميكانيكا الكمّ في إطار واحد. للتذكير يعدّ التوفيق بين هذين المجالين أحد أصعب التحدّيات بالنسبة إلى علماء الفيزياء، وقد كان لأوبنهايم دراسة سابقة توضح ضرورة اعتبار الزمكان كلاسيكياً لا كمومياً لحلّ المعضلة.
إذاً... "موند" معدّلة؟
كما يقول عالم الفيزياء الفلكيّة بول ساتر، تقدّم المادّة المظلمة تفسيراً إضافياً عن "موند" التي تُعنى تحديداً بتفسير الانحناءات الدورانيّة للمجرّات. فالمادّة المظلمة تفسّر إلى حدّ كبير سلوك عناقيد المجرّات، بمعنى أنّ "هالات" أو "كرات" المادّة المظلمة التي تحيط افتراضاً بالمجرّات والتي تحيط بعناقيد المجرّات قادرة على تفسير الديناميّات أكثر من نظريّة "موند". وهذا على الرغم من أنّ ساتر لا يستبعد إمكانيّة نجاح "موند" في تقديم التفسير المنشود، لكنّه يشدّد على أنّ المادّة المظلمة أكثر اكتمالاً وعلى أنّ "موند" تواجه صعوبة أكبر في تفسير ظواهر أخرى في الكون مثل إشعاع الخلفيّة المكرويّة الكونيّ.
نُشرت نظريّة أوبنهايم في خدمة "أركايف" ولمّا تخضع بعد لمراجعة الأقران. إلى الآن، لم تقنع هذه النظريّة الجميع، بمن فيهم عالما الفيزياء الشهيران البروفسور كارلو روفيلي (وهو من بين أكبر 100 مؤثر في العالم بحسب فورين بوليسي) والبروفسور جيف بينينغتون (جامعة كاليفورنيا) اللذان وقّعا مع أوبنهايم على رهان بنسبة 5 آلاف إلى 1 ضدّ ثبات صحّة نظريّته، بحسب ما نقلت "الغارديان".
مستقبل نظريّة أوبنهايم مرهون بدراسات العلماء في الأشهر والسنوات المقبلة. لكنّ إطاحة نظريّة سادت الأوساط العلميّة طوال أكثر من نصف قرن لن يكون مهمّة سهلة.
نبض