أدّى إطلاق المساعد الشخصي "سيري" في عام 2011 إلى جعل شركة "آبل" من أوائل المشاركين في منتجات الذكاء الاصطناعي التي تُركّز على المستهلك، لكن اهتمامات الشركة بهذا النوع من التطور تراجعت منذ ذلك الحين.
وفي السنوات الأخيرة، كافحت "سيري" لمواكبة المساعدين الصوتيين المنافسين من "أمازون" و"غوغل" من حيث الدقة والفائدة، وأدّى موقف شركة "آبل" الصارم بشأن خصوصية البيانات إلى إعاقة تطوير النماذج الأكثر تقدّمًا، لذلك كانت شركة "آبل" أقل انفتاحًا من أقرانها في مجال التكنولوجيا بشأن خططها للذكاء الاصطناعي التوليدي؛ وهي التكنولوجيا التي تقف وراء برامج الدردشة مثل "شات جي بي تي"... لكنها وعدت بمناقشة خططها في وقت لاحق من هذا العام.
وفي هذا السياق، وخلال مقابلته مع "النهار العربي"، يقول رئيس الاتحاد الدولي للتكنولوجيا والاتصالات IFGICT، والعالم المتخصّص الدكتور محمد الكيالي: "لطالما اشتهرت شركة "آبل" بكونها رائدة في مجال التكنولوجيا، ولكن في السنوات الأخيرة، واجهت الشركة انتقادات متزايدة بسبب تأخّرها في استخدام الذكاء الاصطناعي AI مقارنة بشركات التكنولوجيا الأخرى".
ويرى الكيالي أنّ "التأخّر في استخدام الذكاء الاصطناعي تبعاته سلبية. وعلى الرغم من استثمار "آبل" بشكل كبير في أبحاث وتطوير الذكاء الاصطناعي، إلاّ أنّ الشركة لم تدمج هذه التكنولوجيا بشكل فعّال في منتجاتها وخدماتها. ويمكن أن يؤدي تأخّر الشركة في استخدام الذكاء الاصطناعي إلى فقدان حصّة من السوق، حيث تواجه "آبل" منافسة متزايدة من الشركات التي تتبنّى الذكاء الاصطناعي بشكل أسرع".

كل هذه العوامل مجتمعة، إضافةً إلى عوامل أخرى ضمن حسابات الشركة، دفعتها لتطوير وتوسعة إدخال الذكاء الاصطناعي ضمن منتجاتها. وأمضى تيم كوك الرئيس التنفيذي لشركة "آبل" الأشهر القليلة الماضية في الإعداد لأول إنجاز لها في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث قال مرارًا وتكرارًا إنّ الشركة على وشك إطلاق أداة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها للتنافس مع أمثال "تشات جي بي تي". وخلال الأيام الأخيرة، قدّم رئيس الشركة للتو تلميحًا كبيرًا آخر لما يمكن أن نتوقع رؤيته.
يؤكّد كوك على أنّ الذكاء الاصطناعي يعمل بالفعل خلف الكواليس في منتجات "آبل". وفي حديثه خلال الاجتماع السنوي للمساهمين في شركة "آبل"، أشار كوك أنّ الشركة سوف تفتح آفاقًا جديدة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي. ولم يكن هذا تعهدًا غامضًا سيتعيّن علينا الانتظار لسنوات حتى يؤتي ثماره، بل أنّه سيحدث هذا العام.
ويرى كوك أنّ "هناك آفاقاً مذهلة للذكاء الاصطناعي التوليدي، ولهذا السبب نستثمر حاليًا بشكل كبير في هذا المجال. ونعتقد أنّ ذلك سيفتح فرصًا تحويلية للمستخدمين عندما يتعلق الأمر بالإنتاجية وحل المشكلات والمزيد". وكانت "بلومبرغ" ذكرت في وقتٍ سابق أنّ شركة "آبل" تُخطّط لاستخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين القدرة على البحث، من خلال البيانات المخزنة على خوادم وأجهزة "آبل".
وبطبيعة الحال لم يخض كوك في التفاصيل حول ماهية هذه الفرص بالضبط، ولا شك أنّه يفضّل الانتظار حتى مؤتمر "آبل" العالمي للمطورين في شهر حزيران (يونيو) المُقبل للكشف عن ذلك. لكن رغم ذلك، فهناك الكثير من المجالات التي من المتوقع أن يترك فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي بصمته على منتجات "آبل".
ويشير المراقبون إلى تجربة "مايكروسوفت" بدمج برنامج Copilot AI الخاص بها في مجموعة تطبيقاتها المحلية، متوقعين أن تنتهج "آبل" نهجاً مشابهًا مع نموذج الذكاء الاصطناعي الخاص بها. حيث يمكن أن تحصل تطبيقات مثل Pages وNumbers على مساعد افتراضي لتسهيل الأعمال، بينما قد تحصل Apple Music على DJ افتراضي مشابه لما يقدّمه Spotify حاليًا. ورغم أنّ هذه كلها مجرد تكهنات في الوقت الحالي، لكن المجال مفتوح أمام "آبل" للحاق بمنافسيها.
وعن فرص تعويض التأخّر في اللحاق بالركب، يقول الدكتور الكيالي: "في رأيي الشخصي، لا تزال "آبل" تمتلك فرصة للتعويض عن تأخّرها في استخدام الذكاء الاصطناعي، وذلك عن طريق زيادة الاستثمار في أبحاث وتطوير الذكاء الاصطناعي. ويجب على "آبل" أن تزيد من استثماراتها في أبحاث وتطوير الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى تقديم حوافز قوية لجذب أفضل المواهب في مجال الذكاء الاصطناعي عن طريق دمجه في منتجاتها وخدماتها من خلال الشركات الناشئة أو تبنّي بعض الشركات الناشئة".
وعلى الرغم من تحدّيات عدّة، كالمخاوف المتعلّقة بخصوصية البيانات، والتنافس مع عمالقة التكنولوجيا، والموازنة بين الذكاء الاصطناعي وتجربة المستخدم، ومعالجة التحيّز والإنصاف، وشفافية الخوارزميات ولوائح الذكاء الاصطناعي والاعتبارات الأخلاقية وغيرها، فإنّ الولاء القوي لعلامة "آبل" التجارية وتكامل النظام البيئي، يمكن أن يضعا الشركة في مكانة تؤهّلها للتغلّب على العقبات وتقديم منتجات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تتماشى مع نهجها الذي يركّز على العملاء، للحفاظ على الميزة التنافسية لشركة في مشهد الذكاء الاصطناعي، حيث تمتلك الشركة قاعدة تضمّ أكثر من 2.2 مليار جهاز نشط "عالي الجودة" في أيدي العملاء؛ ما سيجعل أدوات الذكاء الاصطناعي أكثر انتشاراً وفي متناول عدد كبير من المستخدمين.
نبض