ثمّة عدد هائل من الشروط المطلوبة لنشوء وتطوّر الحياة في الأنظمة الشمسيّة التي تشبه نظامنا من حيث ارتكازها على نجم واحد. من تلك المتطلّبات ما يرتبط بالنجم نفسه (حجمه، سرعة احتراقه، مقذوفاته...) أو بالكواكب المحيطة به (احتضانها للماء والمجال المغناطيسيّ والغلاف الجوّيّ والمسافة الفاصلة عن النجم...) بالإضافة إلى تراصف الكواكب وعلاقتها الديناميّة ببعضها البعض... واللائحة لا تنتهي تقريباً.
هذا بالنسبة إلى نظام ذي نجم واحد. فكيف بالنسبة إلى الأنظمة النجميّة الثنائيّة؟
تصبح الحسابات المعقّدة أكثر تعقيداً. بدلاً من مركز جذب واحد يؤثّر على الكواكب، تصبح الأخيرة خاضعة لمركزين ثقاليّين، ما يمكن أن يعرّض النظام برمّته للفوضى. قد تصبح مدارات ومحاور الكواكب غير مستقرّة بالتالي غير صالحة للحياة، حتى ولو كانت المسافة التي تفصلها عن الشمس ملائمة لظهور الحياة (لا قريبة بما يكفي للاحتراق أو بعيدة بما يكفي للتجمّد). يضاف إلى ذلك أنّ حجم الضوء والحرارة المتأتّي عن شمسين قد يكون حارقاً للُبنات الحياة الأساسيّة. هذا من الناحية النظريّة. على المستوى العمليّ، بالإمكان الحفاظ على التفاؤل، بشرط أخذ الحسابات المعقّدة بالاعتبار.
كتّاب الخيال العلميّ... سيُسرّون
سنة 2013، وبعد نمذجة عدد من الأنظمة النجميّة الثنائيّة، وجد عالما فلك من جامعتين أميركيّتين أنّ نجمين قريبين من بعضهما البعض ويملكان كتلة تساوي 80 في المئة من كتلة الشمس قد يسمحان لظروف الحياة بالنشوء بحسب تقرير "ساينتيفيك أميركان". يظهر التقرير أنّه إذا كان النجمان قريبين ويدوران حول بعضهما البعض كل 10 أيام تقريباً أو أقلّ، فسيصبح النطاق المؤهّل لاحتضان الحياة أوسع بنحو 40 في المئة. يسمح هذا للكواكب بألّا تدور بالقرب منهما كما هي الحال في النظام النجميّ الأحاديّ الذي يفرض تحدّيات مثل سرعة دوران معيّنة تعرّض وجهاً واحداً للكوكب لأشعّة الشمس. بالمقابل، إذا كان النجمان بعيدين عن بعضهما البعض فستصبح مدارات الكواكب غير مستقرّة.
سنة 2019، وجدت دراسة منشورة في "الإخطارات الشهريّة للجمعيّة الفلكيّة الملكيّة" أنّ "ثمّة أنظمة ثنائيّة تقع كواكبها في مناطق صالحة للحياة أكثر ممّا كنّا نعتقد، ما يزيد من احتمالات الحياة. لذلك، إنّ العوالم المحبوبة لدى كتّاب الخيال العمليّ – حيث تشرق شمسان في سمائهم فوق الحياة الفضائيّة – تبدو أكثر احتمالاً بكثير الآن".

تختلف التقديرات بشأن نسبة انتشار الأنظمة النجميّة الثنائيّة أو المتعّددة النجوم. بالقرب من مجموعتنا الشمسيّة، قد تصل هذه النسبة إلى 70 في المئة. وفي مجرّة درب التبّانة قد تبلغ أكثر من 50 في المئة بحسب بعض الأرقام. في الواقع، إنّ أقرب نظام شمسيّ إلى الأرض، "ألفا سنتوري"، هو نظام نجميّ ثلاثيّ يقع على بعد يزيد عن أربع سنوات ضوئيّة من كوكبنا، أي ما يصل إلى 40 تريليون كيلومتر.
تقلّبات
تدخل عوامل متشابكة في تحديد احتمالات نشوء الحياة ضمن الأنظمة النجميّة الثنائيّة، خصوصاً أنّ الأخيرة تمرّ بمراحل عنيفة ولفترات طويلة أحياناً. على سبيل المثال، وبحسب دراسة نُشرت في مجلّة "نيتشر" سنة 2022، يمكن لبعض تلك الأنظمة أن تصبح أكثر سطوعاً من المعتاد بين 10 إلى 100 مرّة وطوال ما يتراوح بين عشرة وألف عام. بسبب تفاوت الجاذبيّة وفقاً لحركة الدوران، تسقط موادّ من قرص الغاز والغبار المحيط بالنجمين نحوهما، ما يطلق تسخيناً واسعاً. يجعل هذا التسخين النجمين أكثر سطوعاً، ما يعرّض القرص للتمزّق وبالتالي يؤثّر على ولادة الكواكب.
بالرغم من أنّه لا يزال هناك الكثير لاكتساب فهم أوسع بشأنه، يبقى أنّ الدراسات المتتالية تؤكّد للعلماء قدرة الأنظمة النجميّة الثنائيّة على استضافة شروط ملائمة لنشوء الحياة. سنة 2023، ذكرت دراسة صادرة عن "الجمعيّة الفلكيّة الأميركيّة" أنّ الكواكب التي تدور في بعض الأنظمة النجميّة الثنائيّة (بترتيبات معيّنة)، قادرة على البقاء في مدارات مستقرّة لما لا يقلّ عن مليار عام. بسبب هذا النوع من الاستقرار، اقترح الباحثون أنّ إمكانيّة تطوّر الحياة موجودة بشرط ألّا تكون تلك الكواكب حارّة جداً أو باردة جداً. قامت تلك الدراسة على محاكاة حاسوبيّة لـ4 آلاف كوكب شبيه بالأرض في تلك الأنظمة، فوجدت أنّ نحو 500 منها ظلّت في مداراتها القابلة لاستضافة الحياة (Goldilocks Zone) طوال 80 في المئة من الوقت.
دراسة حديثة
مؤخّراً، صدرت دراسة حديثة تعيد تأكيد الاتّجاه المعرفيّ نفسه. تقول مالينا رايس من جامعة ييل "إنّنا أظهرنا، لأوّل مرة، أنّ هناك تراكماً غير متوقّع للأنظمة حيث يكون كلّ شيء متراصفاً. تدور الكواكب بدقّة في الاتّجاه نفسه الذي يدور فيه النجم الأوّل، ويدور النجم الثاني في هذا النظام على مستوى الكواكب نفسه". بحسب تقرير "يونيفرس توداي"، تبيّن أن تسعة من الأنظمة الأربعين التي درسها فريق رايس تمتّعت بـ"تراصف مثاليّ". بمعنى آخر، كلّ شيء في النظام يدور في المستوى نفسه والاتّجاه نفسه.

(رسم تعبيريّ لنجمين - ناسا)
وأضافت رايس: "قد يكون ذلك مؤشّراً إلى أنّ أنظمة الكواكب ترغب في الاندفاع نحو ترتيب منظّم. وهذه أيضاً أخبار جيّدة للحياة التي تتشكّل في تلك الأنظمة". ففي الأنظمة غير المتراصفة، قد تُطرد الكواكب من بيئتها أو تكون العوالم مجمّدة أو جافّة، كما يمكن أن تكون مداراتها غير منتظمة إلى حدّ يجعل أسطحها عبارة عن حمم بركانيّة أو جليديّة أو مزيجاً متبدّلاً بين التطرّفين.
تبيّن جميع هذه الدراسات، كما الانتشار الواسع للأنظمة التي تدور حول نجمين، أنّ البحث عن الحياة الفضائيّة المحتملة لا يقتصر على الأنظمة ذات النجم الواحد الشبيهة بنظامنا الشمسيّ. بالتالي، يصبح سعي البشريّة إلى إيجاد حياة خارج جوارها القريب أكثر تنوّعاً وإثارة للاهتمام.
نبض