05-03-2024 | 04:30

التعليم المستدام... بناء اليوم لرخاء المستقبل

وسط ظروف فريدة يمرّ فيها الكوكب والإنسانية، وضع العالم الهدف النهائي لخطة التنمية المستدامة لعام 2030، ليكون تحسين رفاهية البشرية والكوكب بطريقة عادلة
التعليم المستدام... بناء اليوم لرخاء المستقبل
Smaller Bigger

وسط ظروف فريدة يمرّ فيها الكوكب والإنسانية، وضع العالم الهدف النهائي لخطة التنمية المستدامة لعام 2030، ليكون تحسين رفاهية البشرية والكوكب بطريقة عادلة، حتى يتمكن الجميع من تجربة السلام والرخاء، فـ"المدّ المرتفع يرفع جميع القوارب".

 

ومع خطة عام 2030 الأممية للتنمية المستدامة، انطلق نموذج عالمي جديد، يركّز على معالجة المشاكل الأكثر استعصاءً وإلحاحاً التي تواجه البشرية والكوكب. ولم يؤدِ إطلاق الخطة إلى انتعاش العديد من الأشكال الجديدة لعلوم وتكنولوجيا الاستدامة فحسب، بل حفّز أيضاً طرقاً جديدة للتفكير في علاقة البشرية بالبيئة الطبيعية.

 

مفاهيم الاستدامة

تشير الاستدامة إلى فكرة مفادها أنّ بقاء الإنسان -وكذلك بقاء الحيوان والنبات- ونوعية الحياة، هي أمور تعتمد إلى حدّ كبير على قدرة البشرية على العيش في انسجام أكبر مع بعضهم البعض ومع البيئة الطبيعية. وبالتالي فإنّ تلك المبادئ تتغلغل في جذور المجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية؛ وتشمل أساسياتها القيادة والإشراف والأبحاث والابتكار والتعليم والعدالة الاجتماعية والشمول والنظم والاقتصاد الدائري.

 

ونظرًا لأنّ مؤسسات التعليم العالي تنتج قادة ومحترفي الغد، فمن المهمّ ألاّ تعمل هذه المؤسسات على رفع مستوى الوعي بالاستدامة لدى الطلاب فحسب، بل تزودهم أيضًا بمعارف ومهارات وقيم ملموسة في مجال الاستدامة يمكنهم تطبيقها في حياتهم الشخصية والمهنية. وهنا يشير تعبير "التعليم من أجل التنمية المستدامة" ESD، إلى دمج مبادئ وممارسات الاستدامة في التعليم على جميع المستويات والمناهج الدراسية.

وفي السياق، تشرح الخبيرة في التنمية المستدامة والمسؤولية الاجتماعية د. نجوى أزهار خلال مقابلتها مع "النهار العربي"، أنّ هذا المفهوم "يعني تضمين مفاهيم الاستدامة والتنمية المستدامة في المحتوى التعليمي والأنشطة الدراسية، ويهدف ذلك إلى تعزيز الوعي بقضايا البيئة والاقتصاد والاجتماع، وتطوير مهارات الطلاب في اتخاذ القرارات المستدامة والمشاركة الفعّالة في بناء مجتمع مستدام".

 

وتشمل المعرفة النظريات والنماذج والمبادئ اللازمة لاتخاذ قرارات مستنيرة، وتشمل المهارات التفكير الاستراتيجي، والتفكير النظمي والتخطيط والتفكير التصميمي اللازم لحلّ المشكلات المعقّدة والتي تبدو مستعصية على الحل، بشكل تعاوني وسياقي. بينما توفّر القيم المنطق الأخلاقي اللازم والمبادئ الإنسانية اللازمة لتطبيق المعرفة والمهارات بشكل إنساني ومنصف.

أهداف واسعة

وتشرح الدكتورة ازهار، أنّه في سبيل تطبيق تلك الخطط، يتمّ "دمج مفاهيم الاستدامة في المواد الدراسية الموجودة، مثل العلوم والرياضيات واللغة العربية والتاريخ والجغرافيا. وإنشاء مواد دراسية جديدة حول الاستدامة، مثل "الاستدامة البيئية" و"الاستدامة الاجتماعية" و"الاستدامة الاقتصادية". وكذلك تنفيذ مشاريع وأنشطة تعليمية تفاعلية، مثل زراعة الحدائق المدرسية وتنظيف البيئة وتنظيم حملات التوعية، وتوفير فرص التعلّم من خلال الخدمة المجتمعية، مثل المشاركة في مشاريع إعادة التدوير وحملات التشجير والعمل مع المنظمات البيئية".

 

ستكون الخطوة الأولى المهمّة هي دمج الاستدامة في رسالة المؤسسة ورؤيتها وقيمها، وتتمثل الخطوة الأخرى في تكوين شراكات والانضمام إلى الشبكات مع المنظمات الأخرى التي تركّز على أهداف التنمية المستدامة وعلى التعليم من أجل التنمية المستدامة على وجه الخصوص.

 

ويتطلّب التعليم من أجل التنمية المستدامة التطوير المهني لأعضاء هيئة التدريس، حيث يجب أن يتمتع المدرّبون بمستوى معين من الخبرة في مجال الاستدامة وأهداف التنمية المستدامة على وجه الخصوص.

 

التعليم الأخضر

وفي هذا السياق، بُذلت جهود متضافرة لتسخير الدور الحاسم للتعليم لمعالجة أزمة المناخ على نطاق عالمي، وفي كانون الأول (ديسمبر) الماضي اختتم مؤتمر الأمم المتحدة الثامن والعشرون لتغيّر المناخ COP28 في دبي، باتفاق لتسريع التثقيف في مجال تغيّر المناخ من خلال شراكة "التعليم الأخضر" التي تقودها دولة الإمارات العربية المتحدة.

 

ولتحقيق هذه الغاية، تمّ إنشاء أول مركز للتعليم الأخضر على الإطلاق في دولة الإمارات لمعالجة نقص التثقيف بشأن تغيّر المناخ في المدارس، واستغلت البلاد القمّة لحشد الدول الأخرى لتنفيذ "مناهج صديقة للبيئة"، وتقديم مشاريع استدامة مختلفة، وتدريب المعلمين "لبناء مجتمعات خضراء مستدامة". ومن هنا كان لافتاً دخول مواد الاستدامة ضمن المناهج التعليمية لدولٍ عربية عدة، تحديداً في الخليج العربي.

تجارب عربية

وتبيّن الدكتورة ازهار بعض التجارب الواقعية في العالم العربي، ومن بينها مصر، حيث تمّ دمج مفاهيم الاستدامة في المناهج التعليمية المصرية في عام 2017، وذلك من خلال خطة عمل وطنية تشمل جميع مراحل التعليم. والأردن في عام 2018، وذلك من خلال إطلاق برنامج "المدارس الخضراء". ولبنان في عام 2020، من خلال إطلاق برنامج "المدارس المستدامة". والإمارات في عام 2021 من خلال إطلاق برنامج "الاستدامة في التعليم".

 

من المهمّ الإشارة إلى أنّ هناك العديد من التحدّيات التي تواجه هذا الإدماج، مثل نقص الموارد والتدريب للمعلمين. ومع ذلك، فإنّ إدماج الاستدامة في المناهج التعليمية هو أمر ضروري لضمان مستقبل مستدام للأجيال القادمة.

 

من النظريات إلى العملية

ومن جانب آخر، ترى الخبيرة البيئية والحقوقية هلا مراد، أنّ ثمة حراكاً لقولبة التنمية المستدامة لتكون فعلاً ممارساً داخل الجامعات أكثر من كونها مواد ضمن المناهج النظرية. وأوضحت لـ"النهار العربي": "أصبح هناك على سبيل المثال جوائز لأكثر الجامعات استدامة، وتصنيفات عالمية للجامعات لناحية استدامتها. لاحظنا في الأردن أنّ الجامعة الهاشمية احتلت مركزاً متقدّماً في هذا التصنيف وحلّت في المركز الأول على مستوى الجامعات الحكومية لعام 2020-2021، ولحقت أيضاً الجامعات الخاصة هذا الركب، وبدأ يتشكّل لديها اهتمام واضح بهذا الموضوع. بالتالي تحوّلت القصة من النظريات إلى العمل التطبيقي، لإيجاد سبل لتنفيذ مضامين التنمية المستدامة يمكن لطلاب الجامعات رؤيتها على شكل ممارسات".

 

وتابعت، أنّ "كل ذلك يأتي فضلاً عن تركيز الكليات المختصة مثل كليات الهندسة على الاستدامة في مشاريع المعمار والبنى التحتية، فضلاً عن تخصصات كثيرة أخرى بدأت تأخذ حيّزًا أوسع كالهندسة البيئية وهندسة إدارة المياه وغيرها. كل هذا الفكر المنتشر داخل التخصصات جاء أيضاً بهدف تعزيز فكرة بأنّ الاستدامة ليست قضية لها منحى واحد، بل تكامل بين جميع الناس، ما يؤدي إلى تغييرات حقيقية وجذرية".

 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.