ثمّة أمراض تؤرق البشرية، مثل فقدان السمع الذي يصيب ما يربو على 1.5 مليار شخص حول العالم. من بين هذا العدد قرابة 26 مليون حالة صمم خلقي، وهو ما يدفع جهود العلماء للبحث بدأب عن علاجات ناجعة، كان آخرَها علاج للصمم الخلقي من طريق العلاج الجيني.
ويعرَّف الصمم الخلقي بأنه حالة من فقدان السمع تحدث قبل الولادة أو في وقت مبكر جداً من الحياة، أي قبل اكتساب اللغة. يمكن أن يكون فقدان السمع خفيفاً أو متوسطاً أو شديداً أو بالغ الشدة.
وتتسبب العوامل الوراثية في حوالي 60 بالمئة من إجمالي عدد الأطفال المصابين بالصمم الخلقي. وكشف باحثون، أخيراً، فعالية العلاج الجيني في استعادة وظيفة السمع للأطفال الذين يعانون الصمم الوراثي؛ بحسب دراسة جديدة نشرت في مجلة "لانسيت"، شارك في قيادتها باحثون من مستشفى "ماس آي آند إير" في بوسطن، بالولايات المتحدة.
أول تجربة بشرية
وفي أول تجربة سريرية، خضع للعلاج ستة أطفال في مستشفى العيون والأذن والحنجرة بجامعة "فودان" في شنغهاي بالصين؛ حيث تأكد الباحثون من فعالية العلاج الجيني الجديد للمرضى الذين يعانون شكلاً معيناً من الصمم المتنحي الجسمي، الناجم عن طفرات جين otoferlin.
تحدث "النهار العربي" إلى تشنغ يي تشن، أحد المشاركين في الدراسة، وعالم مشارك في مختبرات "إيتون بيبودي" في مستشفى "ماس آي آند إير"، وأستاذ مشارك بكلية الطب في جامعة هارفرد.
يقول تشنغ يي تشن إنّ "فقدان السمع الوراثي يؤثر تأثيراً رئيسياً على الأطفال. يمكن لواحد من كل 600 من الأطفال حديثي الولادة أن يعاني فقدان السمع الوراثي. ولا علاج دوائياً لأي نوع من أنواع فقدان السمع باستثناء قوقعة الأذن، والمصحوبة بقيود".
ويتابع: "استخدمنا في هذه التجربة السريرية العلاج بالجينات لعلاج نوع من فقدان السمع الوراثي، إذ كشفت الدراسة أن الأطفال الذين يولدون بفقدان السمع الوراثي، بسبب طفرة في جين يسمى Otoferlin، يمكن علاجهم من طريق العلاج الجيني، إذ يتمكنون من استعادة السمع والتحدث. هؤلاء الأطفال كانوا صماً تماماً قبل العلاج، لكن الآن وبعد تلقي العلاج، يمكن سماع أصواتهم، وإجراء محادثات معهم".
وبعد نجاح العلاج، يصف يي تشن قدرة الأطفال الصم على استعادة السمع بالأمر المذهل. يقول: "في السابق، أظهرنا إلى جانب باحثين آخرين أن ثمّة إمكانية لاستعادة السمع في نماذج الفئران، لكننا لم نكن نعرف ما إذا كان ذلك سينجح في البشر. الآن أصبحنا أول من أجرى تجربة سريرية على المرضى، وعالجنا معظمهم، وأخضعناهم لفترة أطول تصل إلى عام واحد بعد تلقي العلاج".
درجة التعافي
رغم النتائج اللافتة التي حققها الباحثون، إلا أن نسبة التعافي لم تصل إلى 100 بالمئة، يقول تشنغ يي تشن: "ربما تراوح درجة الشفاء بين 60 و70 بالمئة. سنبذل المزيد من الجهد لتحسين النتائج. كما أننا لا نعرف إلى متى سيستمر تأثير العلاج، لكن على الأرجح سيستمر لمدة عام على الأقل. ونتابع المرضى لفترة أطول لدراسة جودة العلاج".
عالجت هذه الدراسة أذناً واحدة فقط، ومع ذلك يسعى الباحثون إلى علاج الأذنين في التجربة المستمرة؛ لتحسين وظيفة السمع، بما في ذلك تحديد موقع الصوت، والتعرف إلى الكلام في البيئات الصاخبة.
يمكن للأذن البشرية الطبيعية سماع صوت بقوة 20 ديسيبل. يتمتع المرضى المعالجون بدرجة سمع تراوح بين 45-57 ديسيبل، وهو المستوى الذي نستخدمه في معظم المحادثات. وفي بعض الترددات يمكنهم سماع صوت يصل إلى 25 ديسيبل، وهو قريب جداً من المستوى الطبيعي.
كلما كان التدخل مبكراً كانت فعالية العلاج أفضل.
مستقبل العلاج
تكشف الدراسة فعالية العلاج الجيني، لا سيّما أنّ ثمّة أكثر من 150 جيناً متورطاً في أنواع مختلفة من فقدان السمع الجيني، وطوّر العلماء نماذج حيوانية لها. وتساعد هذه الدراسة في الانتقال من النماذج الحيوانية إلى البشر، كما تمهد الطريق لتطوير المزيد من العلاجات لدى البشر بناءً على نماذج حيوانية أخرى.
يوضح يي تشن: "يمكننا اتباع الخطوات التي تم تطويرها في هذه التجربة، بما في ذلك الإجراء الجراحي للحقن والجرعة واختبارات السمع لدى البشر؛ لتسريع التطور".
يحدث تطور الكلام عند الأطفال أكثر بين 1-3 سنوات. إذا حرم الطفل من السمع، فإن القدرة على الكلام سوف تضعف بشدة. يشير الباحث إلى أن تجربتهم عالجت أطفالاً صغاراً (من سن 1-6 سنوات) وقد استعادوا النطق بعد العلاج. ومع ذلك، ثمّة طفل يبلغ من العمر 11 عاماً تلقى العلاج الجيني، وأصبح بإمكانه أن يسمع، ولكنه لم يتمكن من التحدث أو فهم اللغة، وهو ما ذكرته صحيفة "نيويورك تايمز" قبل أيّام. لذا، كلما كان التدخل مبكراً، كانت النتيجة أفضل.
ويختتم تشنغ يي تشن حديثه بالتأكيد أن فريقه يعالج الآن المزيد من المرضى. ويتعامل مع الأذنين على عكس الورقة البحثية المنشورة في "لانسيت" والتي عالجوا فيها أذناً واحدة فقط، ويقول: "سيعمل علاج الأذنين على تمكين المرضى من تحديد مصدر الصوت، والتعرف الأفضل إلى الكلام في بيئة صاخبة، مثل المطاعم".
نبض