تزايدت في السنوات الأخيرة الجرائم المالية، ما بات يشكل تهديداً كبيراً للاقتصادات والشركات والأفراد على حد سواء. وأصبح غسيل الأموال على وجه الخصوص مشكلة عالمية عميقة، وفي المشهد المالي السريع التطور تُكثّف الحكومات في جميع أنحاء العالم تركيزها على مكافحة هذا الأمر، خاصة أن غسيل الأموال القائم على التجارة يمثل تحدّياً كبيراً، ما فرض زيادة الرقابة والتنظيم.
غسيل الأموال القائم على التجارة!
يصف غسيل الأموال القائم على التجارة TBML مجموعة من الأساليب التي يستخدم من خلالها تجار المخدرات والإرهابيون وغيرهم من المجرمين غطاء التجارة لنقل الأموال غير المشروعة عبر الحدود، مع إخفاء أصل الأموال وملكيتها. وتشكّل هذه العملية القائمة على التجارة أحد أكثر أشكال غسيل الأموال شيوعاً وتطوراً، وتطرح تحديات كبيرة أمام إنفاذ القانون والمؤسسات المالية والأطراف الأخرى المشاركة في التجارة الدولية. وتُشير التقديرات إلى أن الأموال المتضمنة في غسيل الأموال القائم على التجارة تصل إلى مليارات الدولارات سنوياً.
وفيما الرقمنة المستمرة للأنظمة المالية تساهم في الترابط العالمي للاقتصادات، فقد خلقت أيضاً فرصاً جديدة للمجرمين لاستغلال نقاط الضعف، إذ أصبح غاسلو الأموال أكثر تطوراً لإيجاد ثغرات واستخدام أساليب معقدة لغسيل الأموال غير المشروعة. وغالباً ما تكافح الأساليب التقليدية التي تتضمن المراقبة التقليدية للأنشطة المشبوهة لمواكبة هذه الأساليب المتطورة.

لمعالجة هذه المشكلة، بدأت المؤسسات المالية في استخدام أدوات مدعومة بالتكنولوجيا لتتبع أي نشاط ضار، إذ أدت الحاجة إلى أدوات أكثر كفاءة ودقة لمكافحة غسيل الأموال إلى دمج الذكاء الاصطناعي AI والتعلم الآلي ML في عمليات مكافحة غسيل الأموال. وتتمتع هذه التقنيات بالقدرة على معالجة كميات هائلة من البيانات بسرعات غير مسبوقة، وتحديد الأنماط المعقدة والشذوذات التي قد تمر دون أن يلاحظها أحد.
كيف تعمل مكافحة غسيل الأموال المدعومة بالذكاء الاصطناعي؟
تقوم المؤسسات المالية بجمع كميات هائلة من بيانات المعاملات يوميًا، ما يجعل من غير العملي بالنسبة للخبراء البشريين مراجعة كل معاملة بحثاً عن علامات غسيل الأموال يدوياً. من ناحية أخرى، يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي معالجة هذه البيانات بكفاءة ووضع علامة على المعاملات التي تظهر أنماطاً غير عادية أو تحيد عن المعايير المعمول بها.
وتستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي هذه خوارزميات متقدمة لتطوير ملفات تعريف سلوك العملاء، وإنشاء خط أساس يمكن من خلاله مقارنة المعاملات المستقبلية، وأي انحراف عن القاعدة، مثل التحويلات الكبيرة المفاجئة أو الودائع النقدية المتكررة أو المعاملات مع ولايات قضائية عالية المخاطر، ما يؤدي في النهاية إلى التنبيه لمزيد من التحقيق، وهذا يسمح للمؤسسات بتركيز مواردها على الأنشطة المشبوهة حقاً بدلاً من الغرق في نتائج إيجابية كاذبة.
وتُوظّف أيضاً هذه الأنظمة في تحليل البيانات للتعرف على الأنشطة المشبوهة، إذ تتفوق خوارزميات الذكاء الاصطناعي في التحليل الهائل لمجموعات البيانات، وتحديد الأنماط والعلاقات المخفية التي يمكن أن تشير إلى أنشطة غسيل الأموال. ومن خلال فحص سجل المعاملات وسلوك العملاء، يمكن للأدوات التي تدعم الذكاء الاصطناعي الكشف عن الروابط بين الأحداث التي تبدو غير ذات صلة.

وفي الوقت نفسه يسمح التعلّم الآلي ML لأنظمة الذكاء الاصطناعي بتحسين أدائها بشكل متواصل، ومع إدخال بيانات جديدة إلى النظام فإنّه يتعلّم من النتائج ويضبط خوارزميته، وهذا يجعل المنصات التي تدعم الذكاء الاصطناعي فعّالة حتّى في تحديد أساليب عمل غسيل الأموال الجديدة.
ويمكن استخدام البرامج المدعومة بالذكاء الاصطناعي لفحص جميع الأطراف التجارية، عبر جميع أبعاد البيانات الداخلية والخارجية. وتحدد سمات البيانات التي تم تحليلها ملفات تعريف الأنشطة التي قد تدل إلى إشارات المخاطر المتعلقة بالإتجار بالحياة البرية والإتجار بالمخدرات والاحتيال والرشوة والفساد والجريمة المنظمة والتهرب الضريبي وغسيل الأموال. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي استخراج العلاقات بسرعة من خلاصات البيانات المنظمة وغير المنظمة، ما يساعد المحققين على بناء شبكة شاملة من العلاقات التجارية والمالكين المستفيدين المرتبطين بأي كيان مستهدف.
ومع استمرار التقدم التكنولوجي فإن دور الذكاء الاصطناعي في جهود مكافحة غسيل الأموال من المتوقع أن يتوسع أكثر، كما أن دمج نماذج تعلم الآلة القادرة على التحسين الذاتي المستمر سيمكن أنظمة الذكاء الاصطناعي من التكيف مع أساليب غسيل الأموال المتطورة حيث تضمن هذه القدرة على اكتشاف الأنماط الجديدة للنشاط غير القانوني.

علاوة على ذلك، سيكون التعاون بين الذكاء الاصطناعي والخبراء البشريين أمراً بالغ الأهمية، وفيما هذه التكنولوجيا الثورية يمكنها معالجة البيانات على نطاق غير مسبوق، فإن الخبرة البشرية ضرورية لفهم السياق واتخاذ القرار. يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي أن تساعد المحققين من خلال تقديم المعلومات ذات الصلة، ما يسمح لهم بالتركيز على إصدار أحكام مستنيرة.
نبض