مرّت الأسواق العالمية بمراحل عدة، بدأت من سيطرة الشركات الصناعية على الأسواق، ثم ثورة التكنولوجيا مع بداية القرن العشرين، لكن المشهد صار الآن ممهّداً لهيمنة شركات الذكاء الاصطناعي على قائمة العمالقة.
ومنذ تخطّت شركة "إنفيديا" الأميركية لصناعة الرقائق الإلكترونية حاجز المليار دولار في أيار (مايو) الماضي، لا تتوقف أسهمها عن القفز، لتزاحم حالياً على المراكز الخمسة الأولى في قائمة الشركات الأعلى قيمة سوقية في العالم.
وقبل الإعلان عن النتائج الفصلية يوم 21 شباط (فبراير) الجاري، أسهم تقرير لـ"مورغان ستانلي" في دفعة هائلة لأسهم "إنفيديا" يوم الأربعاء، حيث رفع البنك السعر المستهدف للسهم إلى 750 دولاراً من 603 دولارات، وبما يمثل قفزة بأكثر من 20 بالمئة لمستقبل سعر السهم.
وكتب المحلل جوزيف مور في مذكرة للعملاء يقول، إنّ "الطلب على الذكاء الاصطناعي مستمر في الارتفاع"، وأضاف أنّ الأسهم قد تخطّت "جدار القلق" منذ أواخر عام 2023، عقب تجاوز المخاوف بشأن الأرباح وخفض الطلبيات لدى العملاء الرئيسيين وقيود سلسلة التوريد. ورفع مور تقييمات الوزن النسبي لسهم "إنفيديا" وتوصيات الشراء، وكذلك توقعات الأرباح في عامي 2024 و2025، والتي تخطّت مستوى 88 مليار دولار في كل منهما.
ولم يقتصر الأمر على مور ولا "مورغان ستانلي"، إذ من بين 52 محللًا يغطّون السهم لقاعدة بيانات "بورصة لندن"، قام 48 من المحللين بالتوصية بـ"شراء وصعود" السهم، بينما أوصى 4 بـ"الاحتفاظ والثبات"، مع إشارة لتوقعات بمتوسط 642.4 دولاراً للسهم على المدى القريب.
وفي مطلع الشهر الجاري، وضع محلّلو "بنك أوف أميركا" تصنيفاً من فئة "5 نجوم" لسهم "إنفيديا"، وتمّ ضمّه لأفضل "1%" من الأسهم المتداولة، مع توقعات بتحقيق نتائج متميزة في الربعين الأخير من 2023 والأول من عام 2024. وتوقّع محلّلو "بنك أوف أميركا" أن تعلن "إنفيديا" عن تحقيق مبيعات تتراوح بين 500 مليون إلى مليار دولار في الربع الأخير من 2023.
وصعد سهم إنفيديا 2.75 بالمئة مع إغلاق يوم الأربعاء إلى 700.99 دولار، مقابل 204 دولارات قبل عام واحد، لتقفز القيمة السوقية للشركة إلى 1.715 تريليون دولار، بالمركز الخامس عالمياً، وتقف على أعتاب مزاحمة شركات رسخّت أقدامها في العشرين عاماً الأخيرة، مثل "أمازون" (1.767 تريليون دولار) و"ألفابت" الشركة الأم لـ"غوغل" (1.812 تريليون دولار).

وتجاوزت القيمة السوقية لشركة "مايكروسوفت" الرائدة في سباق الذكاء الاصطناعي قيمة شركة "آبل" في كانون الثاني (يناير) الماضي، لتصبح أكبر شركة مدرجة في العالم. وبالنظر إلى دخول الشركات الخمس إلى مجال الذكاء الاصطناعي بمستويات مختلفة، فإنّه من المتوقع بشدة أنّها ستشكّل مستقبل الأسواق لفترة طويلة مقبلة.
وفي مذكرة منذ أيام قليلة، قال محلّلو الأسهم في "غولدمان ساكس"، إنّ النمو القوي في المبيعات سيكون محورياً بشأن قدرة مجموعة شركات التكنولوجيا السبع الرائدة، على الاستمرار في التفوق والنمو بعد مكاسبها الهائلة في عام 2023.
والشركات السبع التي يُطلق عليها اسم "العظماء السبعة" هي "آبل ومايكروسوفت وألفابت وأمازون وإنفيديا وميتا وتسلا". وارتفعت أسهمها منفردة ما بين 50 و240 بالمئة في عام 2023، بينما شكّلت مجتمعة أكثر من 60 بالمئة من العائد الإجمالي العام الماضي على مؤشر "ستاندرد أند بورز 500".
وقال المحلّلون الاستراتيجيون من "غولدمان ساكس" إنّ أداء هذه المجموعة لا يزال متقدّماً حتى الآن هذا العام، محقّقةً عائدات بنسبة 7.9 بالمئة، مقابل 2.6 بالمئة للأسهم المتبقية والبالغ عددها 493 سهماً.
ونقل "غولدمان ساكس" عن تقديرات تحظى بتأييد واسع، أنّ من المتوقع أن تنمو مبيعات الشركات السبع بمعدل سنوي متوسط يبلغ 12 بالمئة حتى عام 2026، مقابل 3 بالمئة للشركات المتبقية في مؤشر "ستاندرد اند بورز 500"، بحسب "رويترز".
وقال المحللون "لقد تفوّق أداء المجموعة في بيئة عوائد السندات المرتفعة خلال الشهور الـ24 الماضية إلى حدّ كبير، بسبب ميزانياتها العمومية القوية وهوامش الأرباح المرتفعة".

وكشفت الطفرة في الذكاء الاصطناعي التوليدي خلال العام الماضي عن مدى اعتماد شركات التكنولوجيا الكبرى على "إنفيديا"، إذ لا يمكنهم بناء روبوتات الدردشة وغيرها من برامج الذكاء الاصطناعي دون اللجوء إلى رقائق الأخيرة المتطورة... وهو أمر كان من الممكن أن يدعم صعود "إنفيديا" إلى قمة شركات العالم.
لكن الطريق لن يكون مفروشاً بالورود أمام "إنفيديا" نحو القمة، إذ أنّ منافسيها الكبار في مجال التكنولوجيا يضعون خططاً لحلول الذكاء الاصطناعي على الطاولة. وبدلاً من الاعتماد على "إنفيديا" كلاعب وحيد في الصناعة، تتسابق "أمازون" و"ألفابت" و"ميتا" و"مايكروسوفت" لتقليص حصة "إنفيديا" المهيمنة في السوق.
وبحسب تقرير نهاية الشهر الماضي لصحيفة "نيويورك تايمز"، قالت "أمازون" في أيلول (سبتمبر) الماضي إنّها ستستثمر ما يصل إلى 4 مليارات دولار في شركة "أنثروبيك"، وهي شركة ناشئة في سان فرانسيسكو تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي.
وبينما باعت "إنفيديا" نحو 2.5مليون شريحة في العام الماضي، أنفقت "ألفابت" ما بين 2 مليار إلى 3 مليارات دولار لتصنيع حوالى مليون شريحة ذكاء اصطناعي خاصة بها. كما قالت شركة "مايكروسوفت" إنّها بدأت في اختبار أول رقائقها الخاصة لنظام الذكاء الاصطناعي.
نبض