مع التقدم التقني المتسارع، قد تنقضي أيام طويلة ولا نمسك بالقلم لنكتب أي شيء. يبدو هذا طبيعياً في ظل توافر الأجهزة الذكية التي تيسر الدراسة والمراسلات، من دون الحاجة إلى القلم، لكن في الواقع دماغك في أمسّ الحاجة الآن إلى الإمساك بالقلم.
هذا ما أفاد به باحثو الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا، في ورقة بحثية جديدة، كشف عنها النقاب أخيراً في مجلة "فرونتيرز إن سيكولوجي"؛ إذ خلصوا إلى أنّ الكتابة باليد قد تزيد من اتصال الدماغ أكثر من الكتابة على لوحة المفاتيح.
البروفيسورة أودري فان دير مير، باحثة الدماغ في الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا والمؤلفة المشاركة في الدراسة، تحدثت لـ"النهار العربي" عن أبرز النتائج التي توصل إليها فريقها البحثي.
تقول مير: "نحن نعلم أن الكتابة باليد هي تحفيز دماغي ممتاز للأشخاص من جميع الأعمار. إذ إنّ التشكيل الدقيق للحروف المطلوبة باليد، هو مهارة حسية حركية دقيقة تنشط معظم أجزاء الدماغ".
تشرح: "عندما نكتب باليد، تتشكل شبكات عصبية مهمة تعزز التعلم والتذكر. يعتقد الكثير من الناس أن وظيفة الدماغ محصورة في التفكير أو الشعور فقط، لكنهم يفاجؤون عندما يعلمون أن الدماغ تطور بشكل أساسي للتحكم في الحركة".
تؤكد فان دير مير أنه كلما أقلعنا عن أداء المهارات الحركية الدقيقة من حياتنا اليومية، تراجع استخدامنا للوظائف التي تجيدها أدمغتنا، وتشبّه الدماغ بالعضلات؛ التي تحتاج للحركة حتى تنمو. تقول: "من دون أن يواجه الدماغ تحديات مناسبة ومنتظمة، لن يتم بناء الشبكات العصبية، أو قد تختفي، ويذبل الدماغ".

كشفت الدراسة أن نشاط الدماغ مرتبط بالتشكيل الدقيق للحروف عند الكتابة باليد
تجربة عملية
أخضع الباحثون 36 طالباً جامعياً تُراوح أعمارهم بين 18 عاماً و29 عاماً إلى اختبار تخطيط كهربية الدماغ (EEG)، وهو اختبار طبي يقيس النشاط الكهربائي للدماغ. طُلب من الطلاب مراراً وتكراراً الكتابة باليد عبر قلم رقمي للكتابة على شاشة تعمل باللمس، ثم الكتابة على لوحة المفاتيح. كشفت بيانات اختبار تخطيط كهربية الدماغ (EEG) للطلاب زيادة اتصال مناطق الدماغ المختلفة عند الكتابة باليد.
تقول الباحثة: "وجدنا أنّ ثمّة شبكات عصبية كبيرة تنشط أثناء الكتابة اليدوية فقط، وتتواصل مع بعضها البعض من خلال التذبذبات العصبية في نطاقات تردد معينة. ومن المعروف أن هذه التذبذبات على تلك الترددات تحديداً، عبر مناطق كبيرة في الدماغ، مرتبطة بالتعلم وتكوين الذاكرة".
تفسر فان دير مير هذه النتيجة: "نتائجنا تشير إلى أن المعلومات البصرية والحركية الناجمة عن حركات اليد، تساهم على نطاق واسع في أنماط اتصال الدماغ التي تعزز التعلم". ورغم استخدام المشاركين أقلاماً رقمية للكتابة اليدوية، إلا أن الباحثين يتوقعون النتائج نفسها عند الكتابة بقلم حقيقي على الورق.
وتقول بشيء من التفصيل: "لقد بيّنا أن الاختلافات في نشاط الدماغ ترتبط بالتشكيل الدقيق للحروف عند الكتابة باليد، مع الاستفادة بشكل أكبر من الحواس. وبما أن حركة الأصابع عند تشكيل الحروف هي التي تعزز اتصال الدماغ، فمن المتوقع أيضاً أن يكون للكتابة بخط اليد فوائد مماثلة للتعلم".
في المقابل، فإن الحركة البسيطة لضرب مفتاح بالإصبع نفسه مراراً وتكراراً على لوحة المفاتيح كانت أقل تحفيزاً للدماغ، وهو ما يفسر أيضاً الصعوبات التي يواجهها الأطفال الذين تعلموا الكتابة والقراءة على جهاز لوحي، لا سيّما في التمييز بين حروف قريبة الشبه من بعضها البعض، مثل حرفي "b" و"d". وترجع فان دير مير هذه الصعوبة إلى عدم تعرض الأطفال للاختبار الجسدي في الكتابة، ومن ثم افتقاد الشعور الحسي بإنتاج تلك الحروف.

البروفيسورة أودري فان دير مير أثناء اختبار الطلاب
توصية
ترى الباحثة أن نتائج هذه الدراسة تدفع بعدد من التوصيات، أهمها ضرورة تلقي جميع الأطفال الصغار الحد الأدنى من دروس الكتابة اليدوية في المدارس الابتدائية في جميع أنحاء العالم. ليس فقط لأن ذلك جيد جداً للدماغ في مرحلة النمو، ولكن أيضاً لأن الكتابة اليدوية جزء من تراثنا الثقافي.
تقول: "أعتقد أننا جميعا نتفق على أنه سيكون من الجيد أن يتمكن الجيل القادم من تدوين رسالة حب بخط اليد، أو حتى مجرد كتابة قائمة البقالة".
وتوصي أيضاً جميع الفئات العمرية بضرورة الموازنة بين الكتابة اليدوية والكتابة على لوحة المفاتيح: "يمكن كتابة ملاحظات قصيرة يدوياً أثناء حضور محاضرة على سبيل المثال، لكن عند كتابة مقال أو نص طويل، من العملي أكثر استخدام جهاز كمبيوتر مزود بلوحة مفاتيح".
وفي ختام حديثها، تكشف الباحثة النرويجية عن الخطوة المقبلة لفريقها البحثي؛ إذ يخططون لاختبار تأثير الملاحظات المكتوبة بخط اليد مقابل الملاحظات على لوحة المفاتيح، على التعلم بشكل مباشر في الفصل الدراسي، وتقول: "نود أيضاً اختبار ذلك على كبار السن؛ لمعرفة ما إذا كان الحفاظ على ممارسة الكتابة اليدوية في سن أكبر سيحافظ على الدماغ في حالة جيدة، ويحدّ من التدهور المعرفي".
نبض