دفع شبح المجاعة الرهيب في السودان مجلس الأمن الدولي إلى عقد جلسة، الأربعاء الماضي، لبحث مسألة انعدام الأمن الغذائي بالبلاد، وكان المجلس قد أقدم على خطوة متأخرة جداً بالدعوة إلى وقف النار بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع خلال شهر رمضان، بعد 11 شهراً من اندلاع القتال بين الطرفين، والذي أسفر عن مقتل 15 ألفاً ونزوح 8 ملايين سوداني؛ ليصبح السودان أكبر بلد للنازحين في العالم، وهو على مشارف أسوأ مجاعة وفقاً لتحذيرات "الفاو". وبينما يتبادل طرفا الصراع جولات الكر والفر، تتكاثر الفرق السياسية ومبادرات السلام، دون نجاح، ما ينذر بأن نهاية المأساة لا تلوح في الأفق، فالعالم يتناسى حمامات الدم بالسودان المنكوب!
غير قابل للتنبؤ
في السودان، يقف المجتمع الدولي أمام أزمة مركبة، معضلة حكم داخلية وتكتلات إقليمية ترفع وتيرة الصراع العسكري، بغير نهاية قابلة للتنبؤ بها. مثلت الحرب بالسودان ذروة صراع السلطة بين أطراف عسكرية، ثم تحولت إلى حرب أهلية وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. بالطبع يتحمل الجيش السوداني بقيادة الفريق عبدالفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو- وكل الفرق الميدانية أو السياسية التي تؤازر هذا الجانب أو ذاك - المسؤولية السياسية والعسكرية؛ لوضع نهاية للحرب التي باتت تداعياتها بالغة الخطورة على وجود السودان نفسه وعلى الإقليم برمته، خاصة أن عدداً كبيراً من السودانيين على مشارف أسوأ مجاعة في العصر الحديث.
وبعد نسيان أو تجاهل طويل، استمع مجلس الأمن - في إطار بند "حماية المدنيين في الصراعات المسلحة" - إلى إحاطات ماوريتسيو مارتينا نائب مدير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، وإيديم وسورنو مديرة العمليات بمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، وكارل سكاو نائب المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي. أكد ماوريتسيو مارتينا أن حجم الجوع في أنحاء السودان يثير قلقاً عميقاً، حيث من المرجح أن تنزلق بعض المناطق - ولا سيما في غرب ووسط دارفور - إلى حالة كارثية. وأوضح أن 65 بالمئة من سكان السودان يعملون بالزراعة، لكن مفاعيل الصراع أثّرت على القطاع الزراعي بدرجة كبيرة، تقيد الإنتاج، وتدمر البنية التحتية وسبل العيش، وتعرقل التدفقات التجارية، ما يجعل احتياطات السلع الغذائية آخذة في النفاد، أما المساعدات الإنسانية فيصعب إيصالها إلى المستحقين. وتوقع أن يواجه 18 مليون شخص انعداماً حاداً للأمن الغذائي، من بينهم خمسة ملايين شارفوا على المجاعة، في أسوأ مستوى للجوع سجله التصنيف المرحلي للأمن الغذائي على الإطلاق. ووجهت تسيندي ماكين، مديرة برنامج الأغذية العالمي، تحذيراً من أن الحرب "يمكن أن تتسبب في أكبر أزمة جوع في العالم" في بلد يشهد أكبر أزمة نزوح، في الدولة التي كان ممكناً أن تصبح "سلة غذاء" العالم!
كارثة إنسانية
يرى كثير من خبراء الشأن السوداني أن تقاعس المجتمع الدولي عن الاستجابة للكارثة الإنسانية، في الوقت المناسب، يمكن أن يؤدي إلى مآس رهيبة وتمزيق السودان كدولة، من ثمّ يمكن وصف الأمر بـ"الصراع المنسي" لمدة تقارب العام، منذ 15 نيسان (أبريل) الماضي. وأشارت صحيفة "الغارديان" البريطانية إلى أن الوضع السوداني "أزمة حاضرة تم تجاهلها بالكامل"، وأضافت: "لا يمكن لمجلس الأمن الاستمرار في غض الطرف". ثم كتبت ليندا توماس غرينفيلد، مندوبة الولايات المتحدة بمجلس الأمن، مقالا في "نيويورك تايمز" بعنوان "الصمت الذي لا يمكن قبوله بشأن السودان"، قالت فيه: "كنت لما يقرب من العام أدفع مجلس الأمن ليقول شيئاً عن حرب السودان، ولم يتحرك إلا في 8 آذار (مارس) الحالي ليطالب بوقف فوري لإطلاق النار"، وتضيف إن صمت العالم وعدم اتخاذه أي قرار يجب أن ينتهي الآن. وأشارت إلى أن الجهات المؤثرة مثل الاتحاد الإفريقي وقادة القرن الإفريقي ودول الخليج يجب أن يدفعوا طرفي الحرب نحو الجلوس للتفاوض وإنهاء الصراع، واختتمت المقال بجملة مؤثرة: "لقد سمع السودانيون صمتنا، برغم أزيز الرصاص ودوي المدافع وانفجارات القنابل، ويتساءلون: لماذا ينساهم/ يهملهم العالم وهم في هذه الأوضاع المأسوية؟".
مقال غرينفيلد أشبه بإبراء ذمة وغسل سمعة واشنطن، التي لم تبذل جهداً كافياً لدفع الأطراف السودانيين وداعميهم الإقليميين إلى رفع أيديهم عن السودان، وإحلال السلام بعد كل تلك المجازر، برغم أن الولايات المتحدة تتشارك مع السعودية في رعاية "منبر جدة"، مما يشي بترك الأمور لطرفي الحرب، دون ضغوط عليهما لوقف رحى المعارك.
قوس الأزمات
يبدو السودان عالقاً في "قوس أزمات"، تشد أطراف هذا البلد العربي - الإفريقي ذي الإمكانات والثروات الهائلة، التي يسيل لها لعاب قوى إقليمية ودولية، يهمها بذر الخلافات والصراعات في أرضه. وسبق للولايات المتحدة وإسرائيل وإثيوبيا أن قسمت السودان إلى دولتين، وهي تعمل الآن - مع آخرين - لتمزيقه إلى خمس دول، في إطار تفتيت دول الشرق الأوسط على أسس دينية وإثنية ولغوية وطائفية الخ، ونشر "الفوضي الخلاقة" تهدف إلى خلخلة النسيج الاجتماعي وإرباكه؛ حتى تعم الفوضى أو الفتن بين أبناء الوطن الواحد، وصولاً إلى تقسيمه أو إتاحة الفرصة للتدخلات الأجنبية، وسرعان ما تعبر "كرة اللهب" والاضطرابات الحدود إلى الدول المتاخمة للسودان، ليبدأ فصل جديد من تفكيك هذه الدول.
إن مخططات تقسيم دول عربية إلى دويلات وكانتونات يمكن السيطرة والهيمنة عليها من الخارج دون التدخل عسكرياً، يهدف إلى إبقاء تلك الدول على وضعها الحالي من التبعية، وعدم السماح لها بتحقيق أي استقلالية سياسية تنتج عنها نهضة صناعية أوعلمية / تكنولوجية حقيقية، وخصوصاً في غياب تنسيق ووحدة المواقف العربية إزاء أغلب القضايا، ما يخلخل توازن القوى في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، لمنع أي قوة إقليمية أو دولية من منافسة واشنطن، وتصبح إسرائيل في نهاية المطاف قوة إقليمية موازية لقوة جميع دول المنطقة مجتمعة.
تذكر الوثيقة المنسوبة إلى آفي ديختر، وزير الأمن الإسرائيلي الأسبق، أبعاد استراتيجية إسرائيل بتقسيم الدول العربية إلى دويلات صغيرة عن طريق إثارة النعرات القبلية والخلافات الدينية واللغوية وغيرها؛ لإضعاف هذه الدول، حتى التي تبعد عن محيطها مثل السودان؛ فقد شكّل السودان، عقب حرب 1967، عمقاً استراتيجياً لمصر، خلال حربي الاستنزاف وأكتوبر، ولذلك ينبغي إضعافه ليصبح هشاً و مجزءاً، وعدم السماح له أن يكون دولة موحدة قوية أو قوة مضافة لقوة العرب، بالنظر إلى إمكاناته وموارده الضخمة.
وللإنصاف فإن كل المؤامرات الخارجية ما كان لها أن تنجح جزئياً أو كلياً لولا فساد الداخل وهشاشته واهتراؤه... بعد أكثر من ثلاثة عقود من حكم جماعة "الإخوان" (البشير - الترابي)، قامت ثورة لم تحقق أهدافها، لينشب صراع على السلطة بين الجيش والدعم السريع. "مقامرة" بمستقبل السودان تحركها أطراف إقليمية ودولية، تريد أن تضع أيديها على ثروات السودان خاصة الذهب، وأراضيه الشاسعة ومياهه الوفيرة، دون التفات إلى الجوع حتى الموت والجثث المتعفنة فى الشوارع. إن استمرار الصراع في السودان يصنع أوضاعاً إنسانية كارثية، وفقاً لتقارير المنظمات الدولية، ويعصف بمبادرات الحل أو التوصل إلى نهاية للاقتتال وحمامات الدم بأرض النيلين.
إن السودان حالة كلاسيكية للمجتمع التعددي إثنياً ودينياً وثقافياً، وحتى تنجح أي جهود للتهدئة لا بد من الأخذ بعين الاعتبار حقائق هذا التنوع، دون تعصب أو مغالبة، بمعنى أنه كي يظل السودان موحداً، ينبغي إعادة إنتاج هياكله سياسياً وثقافياً واقتصادياً، في ظل نظام حكم رشيد فيدرالي أو كونفيدرالي، وأن يجد يد العون من الأشقاء والأصدقاء، لكن الأهم أن يجد العون من السودانيين أنفسهم قبل أي أحد آخر، قبل أن يفنى الكثيرون جوعاً أو اغتيالاً بالرصاص!
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض