فلسطين قضية العرب المركزية، من عهد الانتداب البريطاني حتى بعد قيام دولة إسرائيل على الأراضي العربية المحتلة وتهجير شعب فلسطين عام 1948. وعلى الرغم من أنّ تزايد الحروب والصراعات في الشرق الأوسط حجب المسألة الفسلطينية، بحسب المستشار السياسي الإعلامي د. خطار أبو دياب، إلاّ أنّها عادت تشدّ انتباه العالم مجدداً.
هذا الاهتمام العالمي امتد إلى وسائل التواصل الاجتماعي الذي بدأ منذ العقد الأخير بتغيير مزاج الرأي العام الغربي تجاه القضية الفلسطينية والانقسام حول الممارسات الإسرائيلية، إلاّ أنّه كما يقول أبو دياب، لم يؤثر بعمق على خيارات إدارة جو بايدن المؤيّدة لإسرائيل.
يعزز القناعة بهذا الرأي ما صدر عمّن سطع نجمه في المناظرات التلفزيونية والإعلامية الغربية، كاشفاً ممارسات سلطات الاحتلال تجاه العرب الفلسطينيين جميعًا، مطالباً بإدانة المحتل الإسرائيلي المدلل... إنّه سفير السلطة الفلسطينية لدى المملكة المتحدة د. حسام زملط.

في معرض حديثه لمنصّة "أثير" حدّد المطلوب: "لا تكفينا التظاهرات، بل التأثير ومحاسبة نوابكم وممثليكم في البرلمانات على القضايا التي تهمّك مثل التصويت له...".
واستطرد يقول: "هبّت شعوب العالم وبعض الحكومات وبعض المحامين، لكن بعد وقف إطلاق النار، الجميع يذهب إلى بيته".
مع ما تطرّق إليه عن تجنيد إسرائيل لسياسيين موالين لها حول العالم، بأنّهم اتقنوا اللعبة السياسية على ما فيها من مصالح وأجندات، لا مبادئ وقانون، وإن بطريقة لا أخلاقية ولا صائبة. لكن السياسة تُدار هكذا. وأنّهم حاصروا الفلسطينيين من كل الزوايا، رسمية وسياسية وشعبية، مع قوة القانون بإصدار تشريعات تجرّم مقاطعة إسرائيل وحتى المستوطنات.
نرتحل من هذه اللحظة الراهنة إلى لحظة مفصلية تجلّت فيها لحظة المستقبل لواحد من أكبر ساسة لبنان والعرب. الدكتور شارل مالك، وهو كان وزيراً للخارجية اللبنانية سابقاً، وترأس وفد بلاده إلى مؤتمر سان فرنسيسكو لإنشاء الأمم المتحدة، ثم ترأس واحدة من دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، وقبلها عمل وزيراً مفوضًا في واشنطن ومندوباً لبلاده في الأمم المتحدة آخر الأربعينات من القرن الماضي وفي الخمسينات، وهناك واكب ميلاد القضية الفلسطينية العربية على المستوى الدولي.
بعد سنة من نكبة 1948، وشهور من إسهام شارل مالك في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، باعتباره الدبلوماسي والمفكر المهيب كما يصفه كريم بقرادوني، قدّم تقريراً لقيادة الدولة اللبنانية انسلت صورته من بين وثائق أحد رموز الاستقلال الراحلين رياض الصلح، إلى مجلة القضايا المعاصرة (تشرين الثاني/ نوفمبر 1969) الصادرة عن مجموعة صحيفة النهار، ثم أُعيد نشره ضمن كتاب أشرقت به دار النهار سنة 2003 تحت عنوان "إسرائيل أميركا العرب، تنبؤات من نصف قرن". "تلميذه" الأستاذ غسان تويني وصف التقرير بالنبوءة.
منطلقاً من الجذور التاريخية والمقومات الحضارية، مطلاً من شرفة واشنطن على أحوال بلاده، بعث الفيلسوف السياسي تقريره المؤرّخ في 5 آب (أغسطس) 1949، مشتملًا 35 بنداً، يحلّل بأسلوب علمي وفكري شامل وعميق واقع إسرائيل ومطامحها، مع تحليل للسياسات الدولية الأميركية والأوروبية، وماذا يمكن العرب أن ينتظروا من هذه وتلك؟.
مالك المتوفى في كانون الأول (ديسمبر) 1987، لم يغفل وهو يضع الخمسة وثلاثين بنداً أن ينبّه إلى طبيعة العلاقات بين إسرائيل وكبريات دول العالم: أميركا، بريطانيا، ووضوح الميل الغربي تجاه إسرائيل أكثر منه تجاه العرب، كما هو واضح حتى الآن. وأنّ ثمة حاجة لتعديل الموقف بإطلاق القدرات الكامنة للعرب وخصوصاً لبنان، لا سيما الاقتصادية والعقلية والروحية.
أول بنود تقريره الرؤيوي، كان تحديد وضع قضية فلسطين باعتبارها مرآة وضع العرب ومحوره، مشيراً إلى رغبة إسرائيل في التوسع، والتأسيس للعهد اليهودي أو الإسرائيلي.
وتطرّق إلى وضع العرب على كفّة الميزان السياسي الدولي الذي بدا فيه وزن العرب أخف بكثير من غيره، ناصحاً بتثقيله في التحول إلى التخطيط العقلي المسؤول.
وقال: "إنّ الصهاينة أدركوا ما سها عن بال العالم العربي، أنّ التاريخ تقرّره الأعمال الحاسمة لا الحجج القانونية، وأنّ قيام دولتهم أو تلاشيها يتوقف على قوتهم لإنجاز الأمر المفعول لا المقدرة على المماحكات الشرعية، وأنّ الوسائل الإذاعية والمفاوضات السياسية كلها لا قيمة لها على الإطلاق في تقرير شكل التاريخ إلاّ إذا استندت إلى قوة حاسمة تنفّذ إرادتها، وأنّ التوازن السياسي والصراع الدولي هما في النهاية توازن قوى واقعية لا صراع حجج".
رغبة إسرائيل جامحة في احتكار هذا الإدراك والفعل... لذا تقامر بكل قوتها لمنع كسر الاحتكار.
لئن عرف ميل شارل مالك إلى المعسكر الأميركي أمام المعسكر الروسي الذي حذّر من الارتماء في حضنه، إلاّ أنّه حذّر أيضاً من الارتماء الأعمى في فخ إغراءات المشاريع الإنشائية الأميركية من دون تمحيص لها ولعلاقة اليهود بها.

تطرّق في تقريره إلى تقديرين واقعيين يومئذ، حين قال إن ليس في استطاعة العالم العربي الآن أن "يكبّ" اليهود في البحر. كما لا تستطيع إسرائيل الآن أن تكتسح العالم العربي وتسيطر عليه سيطرة عسكرية تامة.
عن "كبّ" أو إلقاء اليهود في البحر، لنا وقفة لاحقاً. أما الآن، فننتقل إلى نقطة جامعة تخصّ الرأي العام الغربي، وهي مبتدأ حديثنا هنا، لا سيما في تأثير وسائل التواصل بحسب تحليل أبو دياب السياسي لمجلة المجلة (تشرين الأول/ أكتوبر 2023)، وكذلك في ما يخص الفجوة بين القيادات وبين الرأي العام الغربي حسب تصريح آخر للسفير زملط سنة 2021.
فالوزير شارل مالك حدّد في سنة 1949 بشكل واضح عند حديثه حول التأييد الأميركي للصهيونية حدّ التنكر للعرب، أنّه يقصد بالدرجة الأولى الحكومة الأميركية وأوساطها الرسمية، مميزاً في ذلك بين عقلية رسمية خاضعة للنفوذ اليهودي، وبين الخلق الأميركي الشعبي الفردي، وما يمتاز به من محبة السلام والعدالة واحترام الفرد والغير.
وأوضح أنّ المناصرة الشعبية الأميركية ناجمة عن اعتقاد بريء بعدالة مطالب وسلامة قضية الصهيونية، ولم يستبعد أمرين: أولهما، أن تثبت القيم الخلقية الشعبية الأميركية وجودها يوماً من الأيام، إذا أتيح لها أن تبصر الحق صافياً سليماً من تشويه الدعاية اليهودية، فتعوض بعض التعويض عن الأخطاء التي ارتكبها رؤساء أميركا وسياسيوها. أما ثاني الأمور غير المستبعدة لديه، فهو حدوث ردّ فعل شعبي أميركي ضدّ السيطرة اليهودية على مقدراته، إذا تجاوزت سيطرتهم حدود صبر واحتمال الأميركيين. وارتأى في نبل الخلق الأميركي حليفًا ممكنًا ونصيراً للعرب على الرغم مما يبدو من الأوساط الحكومية الأميركية.
تستوقفنا هنا ملاحظة بشأن مزاج متابعة المواطن الأميركي، وفق معرفة من عايشوا هذا المجتمع مؤخّراً، وهو أنّ القضايا الخارجية ليست شاغلاً كبيراً للمواطن المحلي.
لكن شارل مالك يومها وقف لدى نقطة مهمّة يرهن بها هذا التحول، وهو أن يتوقف هذا على حدوث إصلاحات ملموسة والقيام بخطوات تقدمية ملحوظة في العالم العربي، وحصول تجدد في الروح والعقلية والحياة الاجتماعية العربية.
إنّ الوصول إلى قرارة ضمير الشعب الأميركي- وغيره بكل تأكيد- يطلب رضا العرب عن نفسهم في قرارة ضمائرهم.
مع إقراره بأنّ الدعاية النشطة يمكنها إبطال مفعول وسائل الدعاية اليهودية، لكن مالك يرى أنّ الشعوب في عقائدها الأساسية ونظراتها الأخيرة ليست وليدة الدعاية فحسب، بل في ما ترى من تبدّل وانقلاب عربي ينفض عن نفسه الجهل والتفكّك، وعندئذ يستطيع العالم العربي أن يخاطب الشعب الأميركي، فيصغي، ويناشده فيلبّي، وينبّهه فينتبه.
وقدر أنّ العرب يعملون على بناء خطوط الأمل بتحرّر الوعي الأميركي من النفوذ الصهيوني، على المبدأ القائل إنّ الثلاثة في المئة (نسبة اليهود الأميركيين) لن تستطيع أن تسيطر دائمًا على السبعة والتسعين في المئة، من دون تنبّه الأكثرية الأخيرة لهذه السيطرة وتنكرها لها وانتفاضها للتخلّص منها.
ترى هل تؤثر الكثرة العربية يوماً ما؟
نقل مالك عن مراقبين نافذين إلى أبعد من القشور لا تزال ترى- تلك الأيام- أنّه على الرغم من قيام إسرائيل والاعتراف الدولي، فإنّ بقاءها متوقف وسيظل متوقفاً على رضا العرب عن بقائها واعترافهم بها وتفاعلهم معها تفاعلاً ولو جزئياً.
وفي المجمل، فإنّ العلاقات لا تتجرّد عن الإرادات والقوى الخارجية.
يصل مالك إلى ثلاث حقائق لم يقطع نظره عنها وهي:
-عدم نوم العرب على الضيم وقد وقع بهم ضيم فلسطين.
-عدم تمكن العرب وإسرائيل من محو بعضهما. وبتعبير آخر له: "الإمكانيتان المتطرّفتان غير ممكنتين".
-طبيعة الحركة الصهيونية وثابة وعلاقتها بالعالم العربي تحتّم عليها أن تظل وثابة.
في سياق الحقيقة الأخيرة، رأى أنّ السلام بين إسرائيل وبين محيطها العربي، والتفاهم الصادق، لا إمكان لقيامهما. وختم التأكيد على ذلك بالقول: "إنّ تاريخنا في المئة سنة المقبلة هو بالضبط تفاعل هذه الحقائق الثلاث".
المئة سنة لم تنته بعد، والوقائع لم تنقض تلك الحقائق. والرأي العام الغربي سيبقى منقسماً، والمستوى الرسمي الغربي واضح الموقف، سواءً نشط العرب بكثرتهم وفكرتهم أم لم ينشطوا، وقد تظل نبوءة تقرير شارل مالك ماثلةً لمئة سنة أخرى.
وسيظل العالم يشهد استشهاد السلام على أرض السلام، ما دام غائباً عن ذهن أشياع المحو وعبيد العنف وقتلة فرص السلام..
وإسرائيل هي إسرائيل بتفكيرها الغريب وتوثبها المريب، تريد السلام مع الصديق البعيد متناسيةً أنّ تعزيز صداقتها مع البعيد وتحقيق أمنها لا يكون إلاّ بالسلام العادل مع الجار الفلسطيني القريب.
@LutfiNoaman
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض