04-03-2024 | 12:12

غزّة في مجهول سيّد محمود درويش

في الأوان الفلسطيني وما تتعرض له غزة الآن، بماذا يفيدنا كتاب "محمود درويش في مصر، المتن المجهول". سأقول لكم ماذا تفيدنا نصوص ووثائق ابن أرضٍ فيها "أورق الحجر"، جاء بالشعر والنثر يؤرق البشر.
غزّة في مجهول سيّد محمود درويش
Smaller Bigger
"كنت زميلك في الأهرام". هكذا أخبر الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، الكاتب الصحافي والناقد المصري سيد محمود أثناء "قعدة على شط اسكندرية" مع أدباء وفنانين عام 2003 فتنبه إلى زاوية مجهولة في حياة الشاعر المعلوم.

بدأت لقاءات سيد محمود مع السيد محمود سليم درويش، بحضور فعاليات أسبوع فلسطيني في مصر، وأمسيات شعرية حضرها جمهور من أشد انتباه الأجيال واهتمام ها، ومن بينه طالب غدا صحافيًا يجري حواراته مع درويش، ثم بفاعليته حظي بثقته، زيادة على أنه الشبيه الأربعين للأب الروحي لدرويش الكاتب والمفكر الكبير الأستاذ أحمد بهاء الدين، فأشركه في حضور بعض اللقاءات الخاصة، ومنها اللقاء الإسكندراني على هامش أمسية شعرية أحياها درويش في مناسبة ذكرى رحيل الشاعر أمل دنقل.

رحل محمود في 2008، وبقي عند ابن محمود هاجس البحث والكشف عن "المتن المجهول" من كتاب حياة شاعر فلسطين الأشهر أمام تدفق سيل مرويات غير موثقة عن وجود غائم في مصر لدى محبي درويش، فاستغرق يدقق الوقائع ويتناول الحقائق مع افتراضات لقاءات سرية وجهود علنية. حشر الصحافي خريج التاريخ حواسه داخل أضيق الزوايا يستظهر أدق التفاصيل، وتسرب إلى أرشيفات الدوائر يستخرج وثائق تعيين محمود درويش ومستحقاته لدى مؤسسة "الأهرام" في مصر.

من ذكريات درويش عن الإسكندرية اكتشف سيد حضوره القاهري، والتقط طرف خيط نسج به مادةً صحافية ثقافية استقصائية لمجلة "الأهرام العربي" حازت تغطيةً إعلامية واسعة تليق بمقام شخص استثنائي كدرويش.. وبسببها منحت جائزة الصحافة العربية لسيد محمود، فيتثبت من امتداد سخاء محمود درويش تجاهه حتى بعد حياته.

"السبق الصحافي الهائل الذي تحول كتابًا" كما يقول إبراهيم عيسى، نفذ فكرةً سبقت الرحيل بخمس سنين ثم تحققت بعد اثنتي عشرة سنة، نتيجة إصابة سيد محمود بعدوى تونسية، على غرار رياح الربيع العربي. كيف ذلك. قال في مقدمته إن شغفه بالحكاية تجدد حين قرأ كتابًا يحكي أيام درويش في تونس، فتساءل حول إمكان إعداد كتاب مماثل عن أيامه في مصر. وبالمادة الصحافية بدأ؛ وحينما اجتاحت كورونا العالم وألزمت الناس مساكنهم، تفضلت عليه بتوفير جرعة كبيرة من الوقت لإنجاز الكتاب.

عبرت المسودة البحر الأبيض المتوسط إلى "دار المتوسط" في ميلانو. ومن هناك انتشر الكتاب وحط على رفوف رواد أودية الفكر وجزر الثقافة وشطآن الأدب من عشاق درويش، ودراويشه في أرجاء البسيطة.

ماذا في هذا الكتاب؟
19 فصلًا مشفوعة بملف وثائق يتضمن شهادات أدبية مع 15 مادة درويشية، مادتان لمجلة "الهلال" وبقيتها لجريدة "الأهرام"، صنفت بين تحليل سياسي ونفسي وتغطيات ومشاركات، انقسمت تحت عنوانين هما: الصراع العربي الإسرائيلي والأدب.

المقالات التي لم تُضم كلها إلى أعمال درويش المنشورة يومئذ، لما علم بها سيد محمود أثناء القعدة الإسكندرانية سنة 2003، أبدى استعداده لجمعها وعرضها على محمود درويش لكي يكتب مقدمتها وصديقه الناقد صبحي حديدي. أي أنها كادت تظهر في حياته، لولا أن الحياة كتبت عليهم جميعًا الانشغال عنها حتى جاء أوانها. فاستحق كاتب الأوان الحاضر تجيير كلمات "الفاجومي" أحمد فؤاد نجم إليه: أنا رأيي يا سيد محمود..  إنك فنان المستقبل، ونشيد العصر المنشود.

في الأوان الفلسطيني وما تتعرض له غزة الآن، بماذا يفيدنا كتاب "محمود درويش في مصر، المتن المجهول". سأقول لكم ماذا تفيدنا نصوص ووثائق ابن أرضٍ فيها "أورق الحجر"، جاء بالشعر والنثر يؤرق البشر.

تُعرِفُنا أولى فصول الكتاب إلى تنوع معاناة درويش المولود سنة 1941 من اعتقال تحت حكم الاحتلال ثم إساءة بعض العرب إليه كونه يحمل جواز سفر إسرائيليًا، بحكم العيش تحت سلطات الاحتلال، فغلب التعصب منطق التفهم الموضوعي لوضعه ومشاركته ضمن وفد إسرائيلي وعضوية الحزب الشيوعي الإسرائيلي إلى مهرجان الشباب في صوفيا 1968. بسبب ذلك كانت سريةً لقاءاته مع أعضاء المهرجان العرب.

ونعرف أنه مع بقية رفاقه من عرب إسرائيل قيل عنهم "إنهم أنضج العرب، فهم يحملون على أكتافهم همومنا نحن في العالم العربي الواسع أكثر مما نحمل همومهم"، بحسب الأستاذ أحمد بهاء الدين الذي تعرف إلى درويش أثناء رحلة موسكو سنة 1969 حيث حصل الأخير على منحة دراسية لمدة سنة، سبقت عودته إلى حيفا ليظل تحت الإقامة الجبرية وسط منزله من أواخر 1970 إلى أول 1971، حتى اختار الانتقال من أبوة الأديب الفلسطيني إميل حبيبي صاحب رواية "المتشائل" في حيفا ورعايته، إلى أبوة أحمد بهاء الدين رئيس تحرير مجلة "المصور" في القاهرة التي اخترقها درويش بشخصه بعدما اخترقها بشعره، و"بوصلته".

بوصفه "شاعر الأرض المحتلة" والشاعر "المشارك" لا المشاهد و"القديس المقاتل"، احتفى به شعراء مصر وأدباؤها ونقادها كل على طريقته كتاب لرجاء النقاش ومقالة لصلاح عبد الصبور وغيره، وفق اكتشاف الناقد سيد محمود. جُنِد الإعلام له وأمعنوا تدليله: "محمود بقى منا خلاص". نَعِمَ برعاية قوى القاهرة الناعمة والموجهة مدى لتأثير مصر إلى الأراضي العربية المحتلة، عبر استثمار أيقونية درويش واستعارة رمزيته وامتلاك "روح شاعر متفائل" بعد نكسة 67: "خسرتُ حلمًا جميلًا، وما خسرتُ السبيلا".

بعد وصوله إلى مصر، تم فصله من الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وهوجم بحجة تغيير مواقفه فأفحمهم بدفاعه: "أنا غيرت موقعي، ولم أغير موقفي".

قبيل عمله في "صوت العرب" و"دار الهلال" ثم في "الأهرام" و"الطليعة"، نزل شوارع القاهرة وميادينها، قيل إنه "بُهت" من مشهد شيوع اللغة العربية، رغم تأهبه نفسيًا للالتقاء بها، بعد زمن من إشاعة العبرية قسرًا، لكن العبرية أفادته كثيرًا في استمرار وظيفته الرسالية، كما خاطبه أحمد عبد المعطي حجازي، "أنت لا تتحدث لغتهم فحسب بل تفهم روح هؤلاء القوم".

من هذا المنطلق بدأ محمود درويش يشرح قضية بلاده وشعبه، ويُشَرِح من تسببوا في خلق قضيته، مستبدلين "تعرض اليهود للاضطهاد باضطهاد الإسرائيليين للعرب تحت ستار الدفاع عن النفس" كما كتب، ومكتوب فعلًا على جبين الصراع الراهن. وفسر "معنى القلق في الأدب الإسرائيلي بعد حرب حزيران/ يونيو" بمقالة: أنا وأنتِ والحرب القادمة، التي أوقدت جمرة الأسئلة لدى "الصهيوني القنوع"، بحسب تعبيره الذكي.

في "مصرياته" 1971 - 1972 تتعرف إلى "ثالوث تشكيل الشخصية الإسرائيلية الجديدة: الصراع والحرب وعقيدة العنف". وإلى الإسرائيلي وقدريته إذ يقول: "لقد أصبح الإسرائيلي قدريًا.. يفهم أخطار الحرب، ويؤمن باستحالة السلام. ولكنه يعتقد أن لا مفر منها للحفاظ على وجوده الجسدي. ويؤمن أيضًا بأن ما يحتله من أراضٍ هو بمثابة دفاع عن النفس". وفضح "استخفاف الإسرائيلي المقيم بالمهاجر اليهودي" الذي "لم يجد في إسرائيل ما يبحث عنه" فعاد إلى مهجره.

وميز تمييزًا واعيًا بين معرفة العدو والدعاية للعدو، وبتأثير فوضى تطبيق مفهوم "اعرف عدوك"، كتب: "إن من أسباب هزائمنا جهلنا بهذا العدو، ولكن القفز من الإهمال المطلق إلى الاهتمام المطلق، قد يلغي الحواجز القائمة بين معرفة العدو والدعاية للعدو. ومن الضروري أن نعرف كيف نعرف العدو... وقبل أن نعرف العدو ينبغي أن نعرف أنفسنا، فذلك هو الطريق الوحيد لمعرفة الآخرين". ووثق مقولة "أحد السياسيين يومًا: إن أميركا إسرائيل كبيرة. وإن إسرائيل أميركا صغيرة". وأضاف درويش: "وأميركا الصغرى تحمل خصائص الكبرى..".

لذا تراه بعد عقدين يصوغ "خطبة الهندي الأحمر"، في "أحد عشر كوكبًا" الصادر عن "دار الجديد":

"إلى أين يا سيد البيض، تأخذ شعبي، وشعبك

إلى أي هاويةٍ يأخذ الأرض هذا الروبوت المدجج بالطائرات

وحاملة الطائرات، إلى أي هاويةٍ رحبةٍ تصعدون"

لعلهم إلى غزة، يصعدون..

عن  غزة.. الغصة الدائمة في حلق حكومات الكيان المحتل. حتى اليوم، كتب محمود درويش في كانون الأول (ديسمبر) 1971: "غزة كل يوم"

"لم تعد غزة مدينة.

إنها ساحة حرب مشتعلة، تمتحن فيها انتصارات العدو وآماله وقيمه.

ليس بوسع العدو أن يقول إنه انتصر على غزة.

ليس بوسع العدو أن يطمئن إلى آماله، فالأمر الواقع الذي يسعى إلى خلقه هناك على خرافة الزمن يصطدم بسخرية الزمن، وبتفتت آمال الغزاة في أزقة غزة وأجساد أبنائها.

وليس بوسع العدو أن يتباهى بقيمه. إنها تتبلور في صيغتها الحقيقية الوحيدة: الجريمة.

لم تعد غزة مدينة.

صارت رمزًا لطاقات العرب، وصارت لافتة للمستقبل.

وغزة التي يصفها العدو دائمًا بالكابوس في تاريخه الأسود، هي طيف الأمل الأبيض للعرب.

ليست غزة كفارة ذنوب، كما يقول البعض، ولكنها نموذج عمل، وإعلان إرادة.

يأتي يوم.. يأتي يوم لا تكون فيه غزة اسمًا نادرًا بين الأسماء"

مع استمرار العسف والإيذاء والحلم المستحيل، ستبقى عِزة "غزة كل يوم" غصة كل يوم، ولن تبقى هذه الحقيقة حبيسة "المتن المجهول" للصراع.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية