فتحت الوثائق العسكرية السرّية النادرة المكتوبة بخط اليد، المرتبطة بإدارة حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، والتي أفرجت عنها وزارة الدفاع المصرية أخيراً، الباب أمام إشكالية "كتابة تاريخ مصر المعاصر"، وإعادة تدوين وتنقية حديثه وقديمه، الممتد لأكثر من 7 الآف سنة بدءاً من العصور الفرعونية والقبطية والإسلامية، ومراحل الغزو الأجنبي المختلفة، انتهاء بثورة 30 حزيران (يونيو) 2013، وما تلاها من معارك للقضاء على الإرهاب المسلح.
غالبية الجهود المبذولة في توثيق وكتابة التاريخ المصري، فردية العمل أو جزئية الحقيقة، ومغالبة لجوانبه السياسية على مساراته الثقافية والاجتماعية، ولم تتمّ صياغتها ضمن مشروع قومي معبّر عن "السردية المصرية" بمناقبها وعثراتها، ونجاحاتها وهزائمها، فلا يجب أن يظلّ التاريخ مرهوناً بالاجتهادات الشخصية، من دون وجود سياسة عامة حاكمة وحافظة لماهيته من التحيّز والانطباعات والميول الخاصة التي تركت بصماتها على غالبية الأعمال التي سجّلت الخطوط الزمنية الفاصلة للمراحل التاريخية.
يعني ذلك أنّ الدولة المصرية في حاجة ماسّة إلى تأسيس "هيئة قومية وطنية"، محدّدة الأطر النظرية في صياغة التأريخ المصري وتنقية حديثه وقديمه، وفق المرجعية الفكرية والثقافية المتسقة مع هوية المجتمع المصري، مع منحها الصيغة الاعتبارية المستقلة، وضرورة تمتعها بالتجرّد من أية اتجاهات أو ولاءات سياسية أو مذهبية دينية، ولا تتخذ من التدليس والأهواء طريقاً في رصدها وتناولها للوقائع عبر الحوليات المختلفة، فلا تخفي ولا تضيف شيئاً، ما لم يرد في بنية الأحداث بتنوعاتها المتعددة.
وفي إطار الدور المنوط بهذه الهيئة، تمنح أحقية الإطلاع على الوثائق المعنية بمقدرات الدولة وشؤونها، وإمكان الرجوع إليها أو الاحتفاظ بنسخ وفقاً لمقتضيات الأمن القومي، على ألاّ تكتب التاريخ المعاصر إلاّ بعد مرور فترة زمنية على تفاصيله السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، خروجاً من أزمة وإشكالية التعلل بإملاءات وتوجّهات السلطة الحاكمة ونظامها السياسي، التي تُتَخذ حجةً في تعطيل تنفيذ المشروع القومي لإعادة كتابة التاريخ المصري.
تعرّض التاريخ المصري لحالة من التزييف والإهدار المستمر في ظل عدم وجود هيئة معنية بتوثيقه في إطار منهجي علمي، قائم على نظام يسمح بتدقيق المعلومات، والإطلاع على الوثائق والشهادات الرسمية وتصنيفها، بعيداً من الإسلوب الأدبي القريب من السيرة الذاتية التي لا تخلو بطبيعتها من مظاهر الانحياز وعدم الموضوعية.
مرحلتا الستينات والسبعينات من القرن الماضي كانتا شاهدتين على مشروعين لتوثيق التاريخ المصري، لكن لم يُكتب لهما الاكتمال، الأول في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، عندما صدر قرار وزير الثقافة، الدكتور محمد عبدالقادر حاتم عام 1964 بإنشاء "مركز دراسات التاريخ القومي"، والذي تمّ ضمّه إلى دار الكتب والوثائق القومية في عام 1968، وتحوّل بعدها إلى "مركز تاريخ مصر المعاصر"، بينما الثاني في عهد الرئيس السادات، عندما أصدر قراراً في كانون الثاني (يناير) 1976 بتشكيل "لجنة صياغة التاريخ"، برئاسة الدكتور صبحي عبدالحكيم، رئيس مجلس الشورى حينها.
ثمة جهود توثيقية مبذولة من قِبل القائمين على الدولة المصرية، لكنها غير كافية بالقدر الذي يحمي تاريخها من محاولات العبث، مثل موقع "ذاكرة مصر المعاصرة" التابع لمكتبة الإسكندرية، ويمثل مستودعاً رقمياً يضمّ عشرات الآلاف من المواد المختلفة من الوثائق والصور والتسجيلات الصوتية والمرئية.
وسبقه بالطبع "الجمعية المصرية للدراسات التاريخية"، المعروفة بـ"بيت المؤرخين المصريين"، التي تمّ تأسيسها تموز (يوليو) عام 1945، ورغم أهميتها ودورها الثقافي ورقابتها لفترة طويلة على الدراما التلفزيونية التاريخية، لم يتمّ تصنيفها كجمعية علمية بحثية، في ظلّ وقوع ولايتها الإشرافية على عاتق "وزارة التضامن الاجتماعي"، ما يستوجب تعديل وضعها القانوني والفني، فضلاً عن تراجع دورها في ظل تعثرها مالياً.
لم تسلم الوثائق المصرية من التبديد والسرقة على مدار تاريخها، فعلى سبيل المثال، تمّت سرقة أكثر من 250 ألف وثيقة تغطي 900 عام من تاريخ الدولة المصرية، المعروفة بـ"جنيزة القاهرة"، والتي تمّ تهريبها إلى الجامعات الأوروبية والأميركية والمؤسسات والمراكز اليهودية في العالم، وتعني الوثائق والمخطوطات التي كنزها اليهود في العصور الوسطى في معبد "ابن عزرا" بحي اليهود الربانيين في مصر القديمة، ومقابر اليهود في حي البساتين، كما تمّت سرقة عدد كبير من وثائق المحكمة المختلطة، المعنية بشؤون منازعات الأجانب في مصر، والتي ترجع أهميتها في احتوائها على العقود والأوراق الرسمية حول الثروة العقارية والنشاط التجاري والاقتصادي والاجتماعي في القرنين التاسع عشر والعشرين.
في ظل انتعاش تجارة وسرقة "الوثائق التاريخية"، عملت الدولة المصرية على محاولة حفظ المخطوطات الرسمية، لما تمثله من عمود فقري في كتابة التاريخ، حيث أصدرت القانون رقم 356 لسنة 1954، المعني بتأسيس "دار الوثائق القومية"، وفي شباط (فبراير) 2021، وافق البرلمان على قانون إنشاء "الهيئة العامة للوثائق القومية والمحفوظات"، وجعل تبعيتها لمجلس الوزراء، مجيزاً الاستيلاء على الوثائق التي بحوزة الأفراد أو الهيئات، وألزم مؤسسات الدولة بتسليم الوثائق الرسمية بعد الانتهاء من فترة العمل بها، وسمح للوزارات والهيئات السيادية بوضع قواعد حفظ وصيانة وأرشفة الوثائق الخاصة بها وكذلك قواعد الاطلاع عليها، مقيداً الإطلاع على الوثائق التي تقرّر حفظ سرّيتها لمدة لا تتجاوز 15 عاماً بالنسبة للتصنيف سرّي، و30 عاماً بالنسبة للتصنيف سرّي للغاية.
رغم مرور التاريخ المصري بحالة من التشويه المتعمّد، فإنّه من المرجح أن تصبح الـ50 عاماً الأخيرة الأكثر عرضةً للتلاعب والتلفيق، ما لم يتمّ توثيق أحداثها وحفظ وثائقها وأسرارها، في ظل انتشار جماعات الإسلام السياسي، التي تضع الدولة الوطنية في خانة العداء المستمر، وتحاول استئصال ثوابتها ومرتكزاتها القومية والسياسية، لصالح مشروعها الفكري والحركي والتنظيمي.
ولم يكن غريباً أن تحاول جماعة "الإخوان المسلمين" عقب تصدّرها للسلطة، العمل على إعادة صياغة تاريخ الدولة المصرية، من خلال مشروع قدّمه حزب "الحرية والعدالة" إلى برلمان 2012، إلى جانب سعيها لسرقة عدد من الوثائق الخاصة بسيادة الدولة المصرية، فضلاً عن المحاولات التي بدأت عام 2005، بتكليف لجنة داخلية لإعادة توثيق التاريخ المصري المعاصر، وتقاطعه مع السياق الحركي للجماعة، منذ المرحلة الملكية وحتى عهد الرئيس حسني مبارك، معلّلة ذلك بأنّها تحاول تصحيح صورتها أمام الرأي العام.
فقاعة أنّ "التاريخ يكتبه المنتصرون"، لم تعد حقيقة واقعية- بعيداً من احتكار الوطنية- فالجميع يمكنه كتابة التاريخ وتحريف مجرياته بما يتوافق مع الأهواء والتحيزات، في ظلّ تحوّله إلى مجرد سلعة أو مهنة للاسترزاق، وباباً لتصفية الحسابات السياسية، ومدخلاً للانتقام الشخصي، ومجالاً لترويج الأكاذيب والإدعاءات الزائفة، من دون مراعاة لمصلحة الدولة العليا، وتاريخها السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
*كاتب مصري، وباحث في شؤون الجماعات الأصولية
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض