03-02-2024 | 06:30

مَن يحتاج الآخر في البحر الأحمر: الصّين أم الولايات المتّحدة الأميركيّة؟

من الواضح أن الصين هي التي تحتاج لوقف التوتر في البحر الأحمر، والولايات المتحدة لا ترغب بأن يكون لبكين دور في التفاوض مع ايران، لأن التواصل غير المُعلن بين واشنطن وطهران قائم في مدينة مسقط، عن طريق مكاتب متخصصة لهذا الشأن (كما يؤكد متابعون على صلة)، والولايات المتحدة الأميركية ما زالت مُمتعضة من الدخول الصيني على خط تسوية النزاع بين المملكة العربية السعودية وايران.
مَن يحتاج الآخر في البحر الأحمر: الصّين أم الولايات المتّحدة الأميركيّة؟
Smaller Bigger
في اجتماع القمّة الذي عقد في مدينة سان فرانسيسكو بين الرئيس الأميركي جو بايدن والرئيس الصيني شي جينبينغ بتاريخ 15/11/2023، تمَّ الاتفاق على مجموعة من النقاط، دون غيرها من المواضيع التي كانت مطروحة على جدول أعمال القمة، ومن بين العناوين التي اتفق عليها الجانبان؛ التنسيق لحل القضايا الإقليمية الساخنة، والتي قد تؤدي إلى توتير الأجواء بين البلدين الكبيرين.
 
وعندما اندلعت المواجهات في البحر الأحمر بين القوات البحرية الأميركية والبريطانية والقوات الحوثية (اليمنية) في 12 كانون الثاني (يناير) الماضي، طلبت بكين من واشنطن التوسُّط لحلّ النزاع بالطرق السلمية وعن طريق التفاوض، بناءً لتفاهمات سان فرانسيسكو، لأنها تيقنت باكراً أن ما يجري يؤثر على التجارة الصينية بالدرجة الأولى، أكثر مما يؤثر على الواردات الإسرائيلية.
 
وعندما اجتمع وزير خارجية الصين وانغ يي مع مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان في بانكوك عاصمة تايلند في 27/1/2024، عُرض ملف البحر الأحمر، وقال يي لسوليفان إن الصين تبذل جهوداً كبيرة مع إيران لكي تضغط على حلفائها الحوثيين لتوقيف الهجمات على السفن بالقرب من مضيق باب المندب، وهو تمنى على الولايات المتحدة الأميركية التخفيف من حدة التوتر في المنطقة، لأن ذلك يُهدد الاستقرار، ويؤثر سلباً على التجارة الدولية، لكن مستشار الأمن القومي قال إن بلاده ترفض أي مبادرة إيجابية في هذا الاتجاه، قبل أن تسمع إعلاناً واضحاً من "الميليشيات الحوثية" عن وقف أي هجمات على السُفن الإسرائيلية – أو المتجهة إلى إسرائيل - التي تمرّ عبر البحر الأحمر. وهذا الموقف الأميركي؛ يعتبر رفضاً للمبادرة الصينية التي كانت ترغب بالحصول على تفويض للتباحُث مع الحوثيين ومع إيران لتسوية الأزمة.
 
من الواضح أن الصين هي التي تحتاج لوقف التوتر في البحر الأحمر، والولايات المتحدة لا ترغب بأن يكون لبكين دور في التفاوض مع إيران، لأن التواصل غير المُعلن بين واشنطن وطهران قائم في مدينة مسقط، عن طريق مكاتب متخصصة لهذا الشأن (كما يؤكد متابعون على صلة)، والولايات المتحدة الأميركية ما زالت مُمتعضة من الدخول الصيني على خط تسوية النزاع بين المملكة العربية السعودية وإيران، وإعلان الاتفاق بينهما من على الأراضي الصينية في آذار (مارس) 2023. وهو ما اعتبرته واشنطن تدخلاً صينياً غير مقبول في منطقة حساسة من العالم، تُعتبر مسرحاً للقوى الغربية، ولم يكُن للصين فيها أي تأثير مهم في الماضي.
 
وعلى عكس ما تناقلته بعض الأوساط؛ فإن أكاديميين يمنيين يعتبرون أن التوتر في البحر الأحمر لا علاقة له بما يجري من عدوان على غزة، بل هو استغلال للحدث المأسوي هناك لتنفيذ أجندة دولية مختلفة لدى الجانبين الأميركي والإيراني. ويقول هؤلاء: "لو كانت النية عند الحوثيين ومن ورائهم إيران مساعدة الفلسطينيين في غزة فقط، لكان بإمكانهم توجيه الصواريخ إلى القاعدة الإسرائيلية على السواحل الإريترية، وهي لا تبعد من السواحل اليمنية أكثر من 255 كلم"، لكن هدفهم هو جرّ الولايات المتحدة الأميركية إلى تفاوض غير مُعلن على كامل ملفات الاستقرار في المنطقة، ومن بينها ممر باب المندب الإستراتيجي، بينما تريد واشنطن الاستفادة من هذه الأحداث، لتنفيذ حلقات من خطط تستهدف محاصرة الاندفاعة الصينية، وعلى درجة أقل تضييق الخناق على هامش الاستقلال الذي تحاول مصر اعتماده في المرحلة الحالية، لأن الاقتصاد المصري هو المتضرر الثاني بعد الصين من أجواء الحرب في منطقة البحر الأحمر.
 
تقول التقارير الدولية الموثوقة إن الصين ستحل في المركز الأول كأكبر اقتصاد عالمي في عام 2030 إذا ما بقي النمو فيها على الوتيرة القائمة حالياً، وهي تصدِّر ما يصل إلى 40 في المئة من منتجاتها عبر البحر الأحمر، خصوصاً منها المتجهة إلى القارتين الأميركية والأوروبية وإلى دول حوض البحر الأبيض المتوسط. وإعلان القوات اليمنية (الحوثية) أن هجماتها لا تستهدف السفن الصينية ولا الروسية على الإطلاق؛ لا يكفي لتوفير أرضية سلسلة للتجارة البلدين، ذلك أن قسماً كبيراً من شركات الشحن على اختلافها أصبحت تتجنَّب المرور عبر باب المندب، كما أن منسوب التأمين على السفن العابرة للبحر الأحمر ارتفع إلى أكثر من 15 ضعفاً منذ اندلاع الأحداث. ومعظم شركات التأمين المستفيدة أميركية وبريطانية.
 
أما على الجانب المصري؛ فإن التقارير تؤكد أن عائدات قناة السويس التي ترفُد المالية المصرية بمبالغ مهمة، تراجعت بنسبة 40 في المئة منذ مطلع عام 2024 مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يُلقي أعباءً على مصر ويُشغلها بالأزمة الاقتصادية لتواجه ضعيفةً مآلات الحرب على غزة. وفي هذا السياق نقلت بعض الأوساط المتابعة، معلومات تشير إلى دور لإسرائيل في الوصول إلى تسوية بين إثيوبيا وميليشيات "أرض الصومال" على فتح ممر بعرض 20 كلم يصل الأراضي الإثيوبية بالبحر الأحمر، وقد دفعت إسرائيل لهذه الميليشيات مبالغ طائلة (قيل إن الدفعة الأولى بلغت 50 مليون دولار) للقبول بهذا الاتفاق، والعملية برمّتها موجهة ضد مصر على وجه التحديد، وهو ما أثارها بالفعل، وأعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي أن مصر لن تقبل بالمساس بالسيادة الصومالية.
 
يبدو أن المآسي التي تُرتكب بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة تستغل لتحقيق مآرب دولية أخرى، وإذا لم يكن هناك متسع لذكر كل هذه المآرب في هذه المقالة؛ لكن لا بد من الإشارة إلى المعلومات التي تسرَّبت عن توافق أميركي – بريطاني – هندي على فرض أوضاع جديدة في منطقة الشرق الأوسط (أو غرب أفريقيا) كما تسميها الصين والهند، تتم من خلالها محاصرة الاندفاعة الصينية، وترويض التضامن بين دول المنطقة، وإعطاء دور للهند في حماية غرب المحيط الهندي ومدخل البحر الأحمر، بما يُغضب الصين، أو يتعارض مع مصالحها على أقل تقدير، ولا بأس إذا ما حصلت إيران على مكافآت غير معلنة في هذا السياق، لأنها الباب الذي يضمن استقرار الشرق الأوسط وأمن إسرائيل (كما قال مدير الاستخبارات الخارجية الأميركية وليم بيرنز منذ أيام في مقالته في صحيفة وول ستريت جورنال).

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية