29-01-2024 | 06:30

نظام الفوضى الجماعية!

كل أسبوع يتم اختراع حدث لشد الناس ومن دون مراعاة لأي قواعد، وبما أن الإنتاج السينمائي انتقل من السينما إلى منصات البث فنحن في زمن السوشيل ميديا، بكل شيء، من السياسيين إلى الترفيه!
نظام الفوضى الجماعية!
Smaller Bigger
 
    - 1 - 

‏"النظام الدولي أصبح بالياً وعفّى عليه الزمن وخرج عن المسار الصحيح. ومجلس الأمن الدولي يعاني الشلل بسبب الانقسامات الجيوسياسية. إن تركيبته لا تعكس واقع عالم اليوم، ويتعين إصلاحه".

هذا ليس رأياً لكاتب معارض ضد تصدع النظام العالمي، ولكنها فقرة من خطاب الأمين العام للأمم المتحدة أمام قمة الجنوب لمجموعة الـ77 والصين، الأسبوع  المنصرم. 
 
تبدو كلمات من خطاب وداع للرجل الذي سيغادر موقعه الدولي أكثر منها حالة سخط عابرة، بسبب وضع عالمي يزداد قتامة، أو طقس مدينة كمبالا الاستوائي حيث كانت القمة. 
إن الرجل تقاسم حالة سخط على عالم تنهار فيه القيم ويتجه نحو مجد الفوضى الجماعية، ووسط مناخ عالمي يسوده الإفلات من العقاب. 

   - 2 - 

ذات مرة كنت أزور ما يسمى ورشة الكتابة الجماعية، وهي أفكار ابتدعها مخرجو السينما وشركات الإنتاج التي عجزت عن إيجاد نصوص إبداعية متماسكة، فتم اللجوء إلى مجموعة موهوبين لم يجدوا فرصتهم نحو المجد، ولا أنقذوا أنفسهم باكراً في الذهاب إلى مهن لا تمتهن العقل فعلقوا بين براثن شركات وأنظمة تعبث بالمواهب والقيم، فيخرج المنتج مسلسلات وأفلاماً بتأليف جماعي هو أقرب إلى تقرير مراقبي  الشؤون الإدارية، منه إلى عمل فني، وذاك تقليد من أميركا إلى تركيا والمكسيك، حيث تجد مسلسلاً لا نهاية له أو ملامح.
 
كل أسبوع يتم اختراع حدث لشد الناس ومن دون مراعاة لأي قواعد، وبما أن الإنتاج السينمائي انتقل من السينما إلى منصات البث، فنحن في زمن السوشيل ميديا، بكل شيء، من السياسيين إلى الترفيه!
 
وما ذكّرني بالأمر ليس هبوط فكرة الإبداع السينمائي والتلفزيوني، بل ما نراه من واقع سياسي أكثر هبوطاً.
 
وإلا فماذا نسمي هذا الواقع الذي نعيشه؟ إذا لم يكن مشهداً عبثياً في مسلسل طويل من الجنون! 

    - 3 - 

وكنت في لقاءات يُفترض بها أنها رفيعة المستوى، فإذا بك تجد نفسك بنفس مزاج ورش عبث لكتابة نصوص مسلسلات لا أول لها ولا آخر، وأحداث ليس بينها رابط! إنه زمن العبث بكل شيء من عقول الناس إلى خرائط البلدان!
 
 ودوماً أصاب بدهشة مضحكة من تصارع عدد من ممثلي البلدان على فقرة في بيان، أو اشتداد نقاش لقاء على تصريح، ثم ينفضّ الجمع بابتسامات ماكرة، فلا أحد يعير لقاءات سياسية هرمة في واقع يمجد انفلات العقل لا أحد يعيرها التفاتة. 

كشفت حرب غزة واستمرار جريمة العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني كل أوراق التوت! بل لا توت من أصله!
 
تسأل من المستفيد من الحرب والعبث فتجد كل الأطراف، أولهم الكيان الإسرائيلى الهارب من عقاب التاريخ والضمير، ثم كل الحالمين بعودة استعمار الرجل الأبيض في أميركا وأوروبا، وليس آخرهم إيران إلى تركيا وحتى إثيوبيا. 
 
تظهر الصراعات الإقليمية لتكون جزءاً من مؤامرات ممتدة وعبث دولي من أميركا وبريطانيا وبقية ما تبقى من اتحاد أوروبا إلى الصين وروسيا والهند. 
كل القوى تدخل كلاعب وتصر على دور المشاهد. وحدهم أصحاب الأرض من يصبحون في مرمى الأهداف الطائشة. 

تكتمل مشاهد التجاذب والتآمر وتحشد كل أساطيل العالم نحو البحر الأحمر، ويقولون ذلك لا يكفي! 
ووحده الشعب الفلسطيني الذي يبقى في خندق الصمود! 
 
أما البقية فهم ضمن مشاهد يكتبها مؤلفون لا يعرفون بعضهم بعضاً، بل يكمل كل واحد سطراً في مشهد لا يقول لنا كيف يريده أن ينتهي ليترك فراغاً لآخر يكمل مشهد عبثٍ لا تدري ماذا يريد به مخرج العمل الأساسي، 
ونسأل أصلاً من هو المخرج في كل هذا المسلسل العبثي؟!

     - 4 - 

وإذا كانت من ساحة مستباحة لاستعراض القوى وزرع القلق فليس غير المنطقة العربية وجوارها الملغوم!
ولكن بالقدر نفسه من الإحباط يولد الأمل، حيث لا حل للخروج من المأساة وكل هذا العبث إلا بمشروع عربي، إذ يدفع القدر المنطقة كلها دفعاً لتفيق على حقيقة واضحة وهي أن بيقظتها خلاصها وأمن العالم معها،
وأنه لا بد من وقف تمزقها والخروج من الارتهان للآخر، فذاك سبيل نجاتها. 
 
والواقع المر يظهر أن لا حليف دولياً صادقاً، ولا شريك إقليمياً عاقلاً.
وبقليل من رد الاعتبار لمشروع نهوض عربى سيتوقف هذا العبث الذي يتجاوز في انهيار قيمه منطقتنا، وننقذ معنا عالماً آخر وليس فقط نجاة هذه الأمة.
أقول ذلك ليس ترفاً ولا خيالاً طوباوياً، ولكنه يقين سنصل إليه رغم كل هذا التشظي. 

ومن يومين فقط ساعدت شيخاً كبيراً التقيته صدفة على صعود درج المطار، وإذ به يسألني عن تعقيدات الهجرة إلى أوروبا، استغربت فقلت له: وما لنا والهجرة يا حاج خلينا في دولنا العربية، فضحك وهو يتكئ على ذراعي ويقول، وأين هي الدول!؟ 
اختصر لي ذاك الرجل مشهد التعاطي الدولي مع كل ما يحدث حولنا.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية