في ظلّ حماسة وتعاطف الجماهير مع ما يعانيه الشعب الفلسطيني، زُين لجماعة أنصار الله "الحوثيين" بثّ المسيّرات وإطلاق الصواريخ من مناطق سيطرتهم في اليمن صوب الكيان الصهيوني المحتل لأرض فلسطين. فاتسعت جبهة الحرب إلى اليمن كما صرّح أخيراً وزير خارجية إيران راعية محور المقاومة، تصديقاً لسابق تصريحاته، المتسقة مع كلمات سيد جماعة أنصار الله عبد الملك الحوثي برغم تأكيد سيد "حزب الله" حسن نصر الله عدم نجاحها... لكنه وجّههم بالمواصلة حتى يصلوا!
ماذا فعلت الجماعة غير ذلك؟
بدأت بالاستيلاء على سفن تجارية إسرائيلية تحت غطاء جنسيات شركات أخرى، مقابل توفير الغذاء لأهالي غزة.
جدوى هذه العمليات وأسبابها وتأثيرها على الأحداث، ليست محل بحثنا هنا، لأننا نود التركيز على إجراء عمليات فصل لازمة لفهم الأزمة الراهنة، بسبب ما خلطته بعض البيانات والمواقف التي امتلأت بها "المواتسات" والأجهزة. مع مراعاتنا لحماسة التفاعل تجاه ما أُطلق وسُيّر من شمالي اليمن، إذ لا خير في من لا حماسة عنده، ولا خير أيضاً في من لا يوازن بين حماسته وبين تفكيره.
لليمن واليمنيين تاريخٌ عريض في نصرة قضية وشعب فلسطين، لا ينكره سوى من ينسبون ذلك لأنفسهم الآن!.
ولأنّ النصرة الواجبة ليست حكراً على جهة أو دولة أو معسكر أو محور ما، فإنّ لكل منهم طريقة خاصة ينتصر بها لقضية فلسطين، مع أقلام وأشياع وأصوات يغني كل بها على "مولاه"، ويمدّ يد العون للشعب الفلسطيني أو لقطاع منه في إمكانياته المتاحة في الأوقات العصيبة.
في سياق طبيعي لما تفرزه كل الحروب، ومنها حرب اليمن أو الأزمة اليمنية "اليمننة"، تختلط أمور كثيرة مع حرب غزة الأخيرة، سنفصل بينها هنا ما استطعنا، وأولها خلط أحدثه عضو قيادي حوثي بقوله: "إنّ نصرة فلسطين سبب حرب اليمن سنة 2015...". يتناقض هذا مع استغلالهم لتغافل السلطات السابقة عن دخول الجماعة لتحلّ محل نافذي التجمع اليمني للإصلاح، حتى تمادت أكثر وهيّجت المخاوف وعواصف "الحزم ثم إعادة الأمل"؛ والآن تعمل الجماعة على تهييج العواطف بخلق حالة شعبوية تخلط حابل الواقع بنابل الوهم.
الفصل الثاني اللازم، يتناول "ألقاب مملكة في غير موضعها" تضمنتها بيانات وتصريحات عسكرية تعلن عن "تنفيذ القوات المسلحة اليمنية عمليات عسكرية تلبيةً لمطالب شعبية نصرةً لشعب فلسطين". سواء في هذا ما اعترضته تقنيات الاحتلال الصهيوني وفقًا لخطابات وتوجيهات الأمين العام لـ"حزب الله" اللبناني، واستشعرته بوارج الراعي الأميركي، بحسب بيانات القيادة المركزية الأميركية. أو أسقطتها القوات الفرنسية في البحر الأحمر.
إنّ سيطرة الجماعة "الديناسية: أي الدينية السياسية" المسلّحة على آليات القوات المسلحة داخل العاصمة صنعاء، لا يمنحها وظيفة الجيش اليمني، المنقسم أصلاً، وحين يتوحّد الجيش اليمني ويعالج وضعه بإطلاق "صواريخ ومسيّرات السلام لليمن"، يمكن القول: إنّ القوات المسلحة نفّذت عملية ما. علماً أنّ ما تفعله الدول لا تفعله الجماعات. والعكس. وليُنظر في ما تفعله جمهورية إيران الإسلامية والجمهورية العربية السورية... كما أنّ حسنات الجماعة تجاه فلسطين "لا" يُذهبن سيئاتها عن اليمن.
وليتذكروا أنّ المطالب الشعبية ليست نصرة فلسطين بخذلان اليمن.
قبل الذهاب إلى الفصل اللازم الأخير، ننسب الفضل لأهله خصوصاً من زينوا للجماعة التمادي إلى ما ذهبوا إليه أخيراً على الضفة اليمنية للبحر الأحمر، بشكل جنوني شخّصته "الأمثال اليمانية".
كيف زُين لهم تماديهم؟ سأخبركم
غرّد ناشطون، سخريةً وتعجيزاً للجماعة، بأنّ البحر الأحمر والجزر هناك ومضيق باب المندب أقرب. هداهم الله، نسوا المثل القائل "لا تمازح مجنوناً" خصوصاً إذا كان "مجنوناً مسلحاً"، يتلقّى بيانات ومعلومات مصادر أكثر علماً وإلماماً منه... فيمضي إلى تهديد الملاحة الدولية بحسب وزراء خارجية الدول السبع، الذين وهبوا صفة "القرصنة البحرية" لجماعة القرصنة السياسية البرية: أي الحوثيين. وتحقيقاً للمثل اليمني القائل: "المجنون يعرف أين يرجم حجاره" ذهبوا يوضحون أنّهم لن يستهدفوا غير مصالح الكيان المحتل الذي زاد جنوناً وذهب يبالغ في قيمة "ما يتحوث".
دعونا نفصل المحتوى الآن عن أمثال الحالة المجنونة والتغاضي عنها، إعادةً لعقل يتبين ما خلطه بعض خصوم الجماعة من ناشطين وفاعلين، ويستدعي الفصل الثالث اللازم. إنّه الخلط بين الحوثيين وبين بقية الهاشميين اليمنيين.
... واقع التنوع والتعدد الفئوي المذهبي والاجتماعي والجغرافي داخل اليمن الواحد، وشعور كل فئةٍ بالغبن من فئة أخرى، أمران لا ينكران، ويعمد المستنيرون اليمنيون جميعاً إلى معالجته بإشاعة التعايش والتسامح الفكري والمذهبي والديني والتآخي الاجتماعي ما استطاعوا إليه سبيلاً، ولئن برزت "فعلةٌ" من "فعلاتٍ" تُوَسِعُ الخلاف وتعمّق الاختلاف وتمزّق النسيج الاجتماعي والتناغم الإنساني بنشاز النعرات. فإنّ ريح الوحدة الوطنية تدفع تلك الغيوم بعيداً وتعالج سموم التمييز، وتسمو على كل ممقوت وتميت الباطل بالسكوت عنه إلاّ في ما وجب وندر.
ومما ندر حتى كثر أخيراً، ما أحيته سلوكيات الجماعة فأثارت تيارات سخط خلطت كل هاشميي اليمن مع الحوثيين... ولكلٍ عذره. كما لليمن قدره... فعلى الرغم من كل الحروب والفتن، فإنّ قدر اليمن أن يتخطّى كل عذر مقبول وغير مقبول. ما دام أبناؤه من نساء ورجال يتشاطرون العيش على أراضيه، وسيشترك في بنائه أبناؤهم وأحفادهم.
هذه الأمواج السلبية بقدر ما نتصدّى لها، نتزود بها بحثاً عن السلام لليمن.
ونقول إنّ ما تفعله هذه الجماعة ومن يقابلها بسوء قول وتصرف مماثل، لا يمثلون اليمن كله، ولا يرضي معظم اليمنيين من هاشميين، زيديين وشافعيين وإسماعيليين، جنوبيين وشماليين.
مثلما فصلنا بين سبب حرب اليمن، وبين نصرة فلسطين. وميّزنا وضع القوات المسلحة عن هذه الجماعة أيضاً.
فلنفصل بين كل هاشمي وبين الحوثي. إذ ليس كل هاشمي حوثي، ولا كل حوثي هاشمي، ولا كل من في مناطق سيطرة الجماعة يرضى عن كل ما تفعله الجماعة، وغيرها كذلك، ممن سيُصنع السلام بهم ومعهم وبينهم، لأنّ السلام يصنعه المتحاربون ولا عزاء لغير المتحاربين.
لا تجابهوا الحقد بالحقد، والنار بالنار:
إن نطفئ البغض بالبغضاء مضرمةً... نكن كمن يطفئون النارَ بالنارِ،
تغذية الكراهية، وتنمية الأحقاد تخنق أجواء السعي إلى السلام وتعترض طريقه.
افصلوا بين الأمور، فالخلط يضلّل أكثر مما يهدي إلى سبيل السلام لليمن. ختاماً لا تنسوا قضية فلسطين وتذكّروا وجوب السلام اليمن.
@LutfiNoaman
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض