غزة: هوس "اليوم التّالي" يجب أن يقترن بهوس مماثل عن "اليوم السّابق"
يجب أن يقترن هوس التحدّث عن "اليوم التالي" بهوس مماثل بالتحدّث عن "اليوم السابق". ونعني بذلك حقيقة أن إسرائيل تحتلّ الأراضي الفلسطينية منذ العام 1967، وذلك بحسب تعريف الأمم المتحدة. وبالتالي، يجب حلّ هذه المسألة لضمان عدم تكرار أحداث السابع من تشرين الأول(أكتوبر)، كما الأحداث التي سبقتها، من جديد.
بتنا نسمع اليوم أحاديث كثيرة تُركّز على سيناريوات "اليوم التالي"، فيما تستمرّ الفظائع في قطاع غرّة. ويتزامن ذلك مع إدلاء أشخاص، مثل مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، بتصريحات مثيرة للاهتمام أخيراً تشير إلى بدء ابتعادهم من الموقف المتشدّد الذي تبنّته إدارتهم سابقاً، أي عندما قال الرئيس جو بايدن إنه لا خطوط حمراً بالنسبة إلى إسرائيل.
وبالطبع، لم يكن من المفاجئ تبنّي الرئيس بايدن مثل هذا الموقف قُبيل عام انتخابي، لكنّ لكل شيء حدوداً، فقد أدّى ذلك الموقف إلى مقتل أكثر من 18,500 شخص على يد إسرائيل، بينهم أطفال ونساء ومُسنون وما لا يقلّ عن 56 صحافياً، لا سيما أنه ترافق مع استخدام الولايات المتحدة حقّ النقض في مجلس الأمن الدولي بهدف إفشال قرار يدعو إلى وقف لإطلاق النار، في خطوة تعرّضت لانتقادات كثيرة.
فما الذي تعنيه تصريحات سوليفان إذاً؟ أولاً، على الرغم من اختيار عباراته العلنية بعناية، يبدو من الواضح أن الغضب العالمي إزاء ما يحصل في قطاع غزة قد أثار مخاوف جدية وراء الأبواب المغلقة في الولايات المتحدة وإسرائيل. ولهذا السبب، يُعدّ من المطمئن إلى حدّ ما أن نسمع شخصاً رفيع المستوى وذا خبرة مثل سوليفان يقول إن مباحثاته الأخيرة مع المسؤولين الإسرائيليين كانت تركّز على الانتقال إلى مرحلة جديدة في الحرب، حيث يتمّ استهداف حركة "حماس" تحديداً. وأكدّ مجدداً أن حركة "حماس" ليست الشعب الفلسطيني، وأنه يجب بذل المزيد من الجهود لضمان أن تعكس الوقائع على الأرض نية إسرائيل المُعلنة بعدم استهداف المدنيين.
وتمثّلت النقطة الأهمّ بقوله إن إسرائيل لا يمكنها أن تحتلّ قطاع غزة على المدى الطويل، ما يُعيدنا إلى الجدل الدائر حول سيناريوات "اليوم التالي".
أولاً، يجب أن نتذكر ما صرّح به وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان قبل أيام بخصوص هذه المسألة، إذ اعتبر أنه "لا يمكن إجراء أي مناقشات مستقبلية مع استمرار القصف". وبالتالي، يجب أن يبقى التركيز اليوم على التوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار. وما يجب أن يكون واضحاً أيضاً هو أن استخدام الولايات حقّ النقض، في خطوة أعيد وأكرّر إدانتي لها بشدّة، لا ينبغي اعتباره نهاية الطريق، بل تذكير بضرورة بذل المزيد من الجهود بهدف إقناع الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي بممارسة المزيد من الضغوط على إسرائيل. وتشمل هذه الجهود إعادة صياغة مشروع قرار جديد إذا ما كان حلّ المسألة يتطلّب ذلك.
يجب إذاً أن يبقى الهدف النهائي مرتكزاً على التوصّل إلى وقف فوري لإطلاق النار وإيجاد حلّ دائم للصراع من خلال إعادة تأسيس دولة فلسطينية تعيش جنباً إلى جنب وبسلام مع إسرائيل.
لهذا السبب، يجب أن يقترن هوس التحدّث عن "اليوم التالي" بهوس مماثل بالتحدّث عن "اليوم السابق". ونعني بذلك حقيقة أن إسرائيل تحتلّ الأراضي الفلسطينية منذ عام 1967، وذلك بحسب تعريف الأمم المتحدة. وبالتالي، يجب حلّ هذه المسألة لضمان عدم تكرار أحداث السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، كما الأحداث التي سبقتها، من جديد.
ولا يزال هناك بصيص أمل، على الرغم من التوقّعات القاتمة. فمن اللافت إبداء قيادة حركة "حماس" استعدادها لقبول حلّ الدولتين، وذلك بحسب ما جاء على لسان أحد أكبر قادة الحركة موسى أبو مرزوق خلال مقابلة أجراها أخيراً مع موقع "المونيتور".
بالطبع، يمكن للمرء أن يقول، أو بالأحرى يتمنّى، لو أن الحركة فعلت ذلك قبل 16 عاماً ودعمت جهود السلطة الفلسطينية من أجل التوصل إلى اتفاق سلام بدل تقويضها والدعوة إلى محو دولة إسرائيل. ففي نهاية المطاف، يُثبت التاريخ أن الأراضي العربية التي حُرّرت وتمّت استعادتها عبر المفاوضات أكثر من تلك التي حُرّرت بالحرب. وتُعتبر الأردن ومصر ولبنان أمثلة واضحة على ذلك.
ويتمّثل التطوّر الآخر الذي يبعث الأمل بإطلاق سراح المجموعة الأولى من الرهائن بنجاح أخيراً. وقد شكّلت هذه العملية مصدر طمأنينة إزاء قدرة الدبلوماسية الإقليمية على النجاح في مساعيها. وغني عن القول إنه يمكن لبوادر حسن النية المماثلة أن تُحرز نتائج ملحوظةً. ولهذا السبب، يجب أن يستمر الدعم المُقدّم للجهود التي تبذلها دول مثل قطر ومصر في ما خصّ هذا الموضوع.
ولكن، يبقى السؤال: ما الذي سيبدو عليه مشهد "اليوم التالي"؟ يجب علينا هنا النظر في كل الاحتمالات الممكنة على الأرض. فمن الواضح أن أحداً لن يقبل باحتلال إسرائيل قطاع غزة مرّة أخرى مع تركيز الجهود على إقناع المسؤولين الإسرائيليين بتفكيك مستوطنات الضفة الغربية لإتاحة المجال أمام تنفيذ حلّ الدولتين. وبات الموقف العربي/الإسلامي/الفلسطيني واضحاً أيضاً، إذ يرفض رفضاً مُطلقاً أي خطة إسرائيلية تهدف إلى تهجير سكان غزة أو نقلهم إلى مكان آخر، إذ يجب أن يبقى الفلسطينيون في أرضهم ويجب تجنّب وقوع نكبة أخرى.
كما أن السلطة الفلسطينية لن تقبل أبداً العودة إلى قطاع غزة على ظهر الدبابات الإسرائيلية. وقد يكون اعتماد فترة انتقالية ممكناً بمشاركة قوات دولية لحفظ السلام، كما هي الحال في لبنان، إلّا أن ذلك سيتطلب مُعادلةً مقبولةً، حيث يُرجّح أن يشمل جيوشاً دوليةً محايدةً ودولاً عربيةً سبق أن وقّعت معاهدات سلام مع إسرائيل.
ويُحتمل أيضاً أن يُعاد توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة تحت سلطة واحدة، ما يتعارض أساساً مع المبدأ الذي تبنّاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على مدى الأعوام الستة عشر الماضية والقائم على توسيع هوّة الانقسامات بين الفلسطينيين.
ويتمثّل الاحتمال الأخير غير المُرجّح بإجراء استفتاء يضمّ جميع الفلسطينيين لمعرفة ما إذا كانوا يريدون العيش في دولة واحدة إلى جانب إسرائيل. ويُرجّح أن يرفض الطرفان هذا الاقتراح، لا سيما أنه، على الرغم من تماشيه مع كون إسرائيل دولةً ديموقراطيةً، سيُلغي مُبرّر وجودها باعتبارها "دولةً يهوديةً".
وكون حلّ الدولة الواحدة خيار غير محتمل، فإن ما لا يساعد حقاً في هذه المرحلة هو تصريحات المسؤولين الإسرائيليين التي كان آخرها وأبرزها تصريحات السفيرة الإسرائيلية في لندن تسيبي هوتوفلي، التي رفضت رفضاً قاطعاً مفهوم الدولتين خلال مقابلة تلفزيونية.
وما لا يساعد أيضاً مقاطعة المجتمع المسلم في بريطانيا لبرنامج تلفزيوني مؤثّر مثل "بيرس مورغان أنسينسورد".
وفي الواقع، إن المطلوب هو ظهور المزيد من الضيوف العقلانيين القادرين على تقديم حجج مقنعة دعماً للعدالة. وما علينا سوى الاطّلاع على النتائج التي حققتها مراسلة عادلة ومتوازنة مثل كلاريسا وارد من شبكة "سي إن إن" عندما سُمح لها بالوصول إلى إعداد تقرير من داخل قطاع غزة بمساعدة مستشفى ميداني إماراتي. إن الحقيقة قوية جداً، وبالتالي، لا أستطيع أن أفهم كيف يمكن تحقيق أي شيء من خلال مقاطعة النقاش بدلاً من المشاركة فيه وتقديم الحجج الداعمة لموقفنا.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض