29-11-2023 | 05:35

"الدّفاع المشترك" بين إثيوبيا وجيبوتي... ضدّ من؟!

أمام سيل الانتقادات، حاول آبي أحمد تسكين هواجس الجيران، واعداً بعدم غزو أي بلد مجاور، لكنه شدد على أن حكومته لن تتخلى عن مطلبها في الحصول على ميناء بحري
"الدّفاع المشترك" بين إثيوبيا وجيبوتي... ضدّ من؟!
Smaller Bigger
 
النار المشتعلة في غزة، أزاحت عن دائرة الضوء حدثاً لا يقل خطورة في القرن الأفريقي. الأسبوع الماضي، وقعت إثيوبيا وجيبوتي، مذكرة تفاهم للتنسيق العسكري و"الدفاع المشترك في حالات التعرض للخطر"؛ يأتي الاتفاق في إطار السعي الإثيوبي الحثيث لانتزاع ميناء بحري وقاعدة عسكرية قرب "باب المندب". جبهة جديدة تتشكل جنوب البحر الأحمر، قد تحوّله حلبة ساخنة للعراك الجيوسياسي، يعيد رسم خرائط المنطقة بخراطيم الدم، وينذر بإشعال صراعات جديدة، تدفع القوى العظمى المتحفزة لتكثيف حضورها في الممر المائي الأهم للتجارة العالمية، خاصة أن أعصاب بعض الأطراف لم تعد تحتمل ألاعيب أديس أبابا!

دولة حبيسة
منذ اندلاع الحرب الحدودية بين إريتريا وإثيوبيا عام 1998، أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة، لا تطل على بحار أو تتصل بمحيطات؛ فصارت جيبوتي الميناء البحري الاستراتيجي الذي تعتمد عليه، بعدما أقفلت الموانئ الإريترية أمام تجارتها الخارجية، لذا يمثل توقيع مذكرة "الدفاع المشترك"، مؤخراً، "مدماكاً آخر" في صرح التعاون الاستراتيجي بين إثيوبيا وجيبوتي، نقطة مهمة لتلاقي مصالحهما، بقدر ما يثير من مخاوف الآخرين.

مهّد آبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي للأمر بتصريحات متوالية في مناسبات مختلفة، قال فيها، أمام البرلمان، إن تعداد إثيوبيا الذي يبلغ 150 مليون نسمة عام 2030، يفرض على حكومته ضرورة الحصول على "ميناء سيادي" بالبحر الأحمر؛ بوصفه ضرورة وجودية، "حياة أو موتاً"، لافتاً إلى أن البحر الأحمر ونهر النيل يحددان مصير بلاده، وأساس تنميتها أو تدميرها، إما كمحركين للتنمية والريادة أو كمصادر للخطر، وأضاف: "من غير المعقول ألا نناقش مسألة الوصول لموانئ، بينما لا تكف السودان ومصر عن مناقشة قضايا مياه النيل". وأكد برهانو نيغا وزير التعليم الإثيوبي أن بلاده تدرس كل الخيارات للحصول على منفذ بحري.

التصريحات الإثيوبية أضاءت "لمبات حمراء" في مراكز صنع القرار في عواصم الجوار: إريتريا والسودان وجيبوتي والصومال وكينيا؛ وهي الدول التي تناولتها التصريحات كوجهات محتملة للميناء البحري أو القاعدة العسكرية التي ستكون مقراً للقوات البحرية الإثيوبية الناشئة.

تباينت ردود أفعال جيران إثيوبيا، وإن رفضت جميعها "التهديدات المبطنة" بالتدخل العسكري - مستقبلاً - أخذت العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة تسير في حقل أشواك؛ وأدانت وزارة الإعلام الإريترية تصريحات آبي أحمد، معتبرة أنها "لا تستحق الاهتمام"، وأنها "أحاديث القيل والقال"، وأوضحت أن إريتريا لا تعير تلك الدعوات أهمية تذكر. بينما حذّر عبد الرحمن عبد الشكور مستشار الرئيس الصومالي من أطماع إثيوبيا في بلاده وسعيها للحصول على ميناء بالقوة أو بالحيلة، منبهاً إلى رسائل آبي أحمد بشأن الوصول إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي.

ليس ذلك فحسب، فقد أشار ألكسيس محمد مستشار رئيس جيبوتي - قبل توقيع الاتفاق مع إثيوبيا بفترة وجيزة - إلى العلاقات الودية بين الدولتين، داعياً الإثيوبيين لاحترام سيادة بلاده وسلامة أراضيها. أما السودان فإنه يشعر بقلق مضاعف؛ لانشغاله بالحرب بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع، وهو يدرك الأطماع الإثيوبية في أراضي السودان وثرواته، بالإضافة إلى خلافات سد النهضة.

هواجس الجيران
أمام سيل الانتقادات، حاول آبي أحمد تسكين هواجس الجيران، واعداً بعدم غزو أي بلد مجاور، لكنه شدد على أن حكومته لن تتخلى عن مطلبها في الحصول على ميناء بحري؛ مبيناً أن السلام في المنطقة رهن بتقاسم متبادل ومتوازن بين إثيوبيا المعزولة عن البحر وجيرانها، عارضاً تقديم حصة 30% سنوياً من سد النهضة، أو حصة مماثلة في الخطوط الجوية الإثيوبية أو في شركة الاتصالات الإثيوبية، نظير الحصول على المنفذ البحري.

يرجح خبراء الشؤون الأفريقية أن تكون جيبوتي هي الدولة المرشحة لاستضافة قاعدة عسكرية بحرية لإثيوبيا، إذ تعتمد الأخيرة على موانئ الأولى في تسيير مصالحها التجارية والعسكرية، يمر عبرها 95 في المئة من التجارة الخارجية الإثيوبية. العائق الوحيد أن جيبوتي تستضيف عدداً كبيراً من القواعد العسكرية لمعظم الدول الكبرى، كما أن التهديدات التي أطلقها مقاتلو تيغراي خلال الحرب الإثيوبية الأخيرة بقطع الطريق الواصل بين أديس أبابا وميناء جيبوتي؛ أثار انتباه أديس أبابا لضرورة تأمين بدائل استراتيجية لميناء جيبوتي، لا سيما موانئ: عصب الإريتري أو بورتسودان السوداني أو ساحل زيلع الصومالي، بالإضافة إلى مومباسا الكيني. التهديدات الإثيوبية تنصبّ على إريتريا والصومال والسودان، لكنها تكتفي حتى الآن بالتحركات السياسية.

في الوقت نفسه، دشنت إثيوبيا بالفعل فرعاً جديداً في جيشها هو القوات البحرية؛ مع أنها لا تطل على أي بحار، وتقوم حالياً بتدريب الأفراد وتجهيز المعدات والأسلحة، بدعم من فرنسا وإيطاليا وروسيا، وكذلك إسرائيل التي يجمعها تعاون عسكرى وثيق مع أديس أبابا؛ باعتبار أنهما محاطتان ببحر من "الأعداء العرب"، لو انتصروا على إحداهما فإن الثانية تصبح الهدف التالي لهم، ومن ثم لا بد من إشغال "دول عربية" بالتوترات في محيطها. يذهب بعض الخبراء إلى أن إثيوبيا أكبر دولة سكاناً في القرن الأفريقي، تظهر بوضوح على شاشة حسابات الولايات المتحدة وإسرائيل، تغض واشنطن النظر عن الأطماع الإثيوبية في دول الجوار، التي تحول بعضها إلى كيانات ضعيفة، مثل إريتريا، أو تمزقها مثل الصومال والسودان.
 
تعمل أديس أبابا، بمعونة آخرين، على إعادة رسم خريطة المنطقة؛ حتى تتمكن من النهوض بدور إقليمي، تدور في فلكه دول مجمع البحار - المشرفة على باب المندب - ودول مجمع الأنهار - المشرفة على الأنهار المتدفقة منها - فى إطار ترتيبات جيوسياسية، مع قوى إقليمية وعالمية وتكفل هيمنتها على المصفوفة الإقليمية وتشق المنطقة العربية من الوسط، عبر إثيوبيا - إسرائيل - تركيا، وتضع بيدها ورقة في مفاوضات سد النهضة المتعثرة مع دولتي المصب المطلتين على البحر الأحمر، الشريان الاستراتيجي للملاحة الدولية.

الطّريق الأصعب
إن دوافع إثيوبيا لتأسيس ميناء وقاعدة عسكرية، بإحدى دول الجوار - رضاءً أو إجباراً - تطرح إشكاليات حساسة، أطماعاً لا تسندها أي مبررات تاريخية أو مسوغات قانونية؛ فالمواثيق الدولية لا تتيح لأي دولة احتلال أجزاء أو ميناء دولة أخرى؛ لمجرد أنها أكبر مساحة أو عدداً، حتى الدول الحبيسة - مثل إثيوبيا - لا يجوز لها استخدام موانئ الجيران إلا بالاتفاق معهم.
 
المفارقة المذهلة أن إثيوبيا تختار دوماً "الطريق الأصعب"، مع أن الطريق الأسهل متاح أمامها، إذ يمكنها بالتعاون الصادق الذي يحقق مصلحة الجميع بتوازن وعدالة، أن تصل إلى أهدافها، دون صراعات بلا داع في منطقة متخمة بالاضطرابات، ربما تلعب "عقدة المياه" التي تسيطر على قادة إثيوبيا دوراً في ذلك، قال آبي أحمد: "إثيوبيا جزيرة محاطة بالمياه، لكنها دولة عطشى. لماذا؟ الأمطار غزيرة، والمياه الجوفية... والمحيط الهندي والبحر الأحمر هناك؛ فلماذا تعتبر المياه مشكلتنا ونحن محاطون بها؟!".

منذ صعوده للسلطة، خطط آبي أحمد لاستعادة ما يسمى "المجد الإمبراطوري" لإثيوبيا، ولو على حساب الآخرين؛ في تجاهل لحدود القوة، ويندرج في هذا الإطار مسألة الحصول على "المنفذ البحري"، ما قد يفجر صراعاً عسكرياً جديداً، يغير قواعد اللعبة بالقرن الأفريقي، ويسقط الجميع في أخطاء جيوسياسية فادحة؛ العبث بالنار بجوار برميل بارود تهوّر غير محتمل. الذين قد تتضرر مصالحهم ستكون ردود أفعالهم على القدر نفسه من قوة الفعل أو ربما أكبر، بل إن أحداث غزة أثبتت أن هجمات ميليشيا الحوثيين التي ضربت إسرائيل على بعد 1200 كلم، يمكن أن تصيب القاعدة العسكرية الإثيوبية وميناءها في جيبوتي أو غيرها، فما بالك لو كان الخلاف مع دولة لا مع ميليشيا؟
 
لا تزال الفرصة قائمة أمام أديس أبابا لتغيير شكل القرن الأفريقي وحوض النيل، سلماً لا حرباً، بأن تعيد النظر في توجهاتها، حفاظاً على أمن البحر الأحمر، وتصل إلى مراميها عبر التعاون الحقيقي والتكامل الإقليمي، بين دول المنطقة في ظل التشابكات الجيوسياسية العالمية، بعيداً من سياسات الاستعلاء والهيمنة والأنانية المفرطة.
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية