27-11-2023 | 12:11

إسرائيل وسلام كيفما اتّفق مع الفلسطينيين

توصّل الإسرائيليون لقناعة مفادها أن الفلسطينيين، مثل سائر العرب، غير قادرين على إقامة ديموقراطيات وإدارتها.
إسرائيل وسلام كيفما اتّفق مع الفلسطينيين
Smaller Bigger
في العالم إجماع أن حرب غزة ستنتهي عاجلا أم آجلا وأن ما بعدها لن يكون كما قبلها. فور سكوت البنادق، سينخرط المعنيون والشركاء الدوليون في مفاوضات سلام. الجانب العربي بدا واضحا، متمسكاً بحل الدولتين وفق مبادرة بيروت العربية للسلام. الجانب الإيراني وقّع على بيان قمة "منظمة التعاون الإسلامي" متبنياً حلّ الدولتين، ثم أرسل مذكرة للأمانة العامة لتسجيل تحفّظ إيران عليه. إيران تريد دولة واحدة إسلامية اسمها فلسطين، تحكمها ميليشيات موالية لطهران، كما في العراق وسوريا ولبنان. سيواصل العرب بناء أطر السلام والسعي اليه، وستواصل إيران تخريب السلام، وتسليح مخربيه.
 
لكن ماذا عن إسرائيل؟
الموقف الإسرائيلي من السلام مع الفلسطينيين تدرّج منذ اتفاقية كامب ديفيد للسلام في 1979 مع مصر وحتى آخر جولة سلام أدارها وزير الخارجية السابق جون كيري في 2014، وتعثرت على غرار سابقتيها: عرض بيل كلينتون – ايهود باراك في عام 2000 للرئيس الراحل ياسر عرفات لقيام دولة فلسطينية على أراضي 1967 مع القدس الشرقية عاصمة لها، وعرض مشابه من جورج بوش وايهود أولمرت في 2008 للرئيس الحالي محمود عبّاس. في الحالات الثلاث، لم يردّ الجانب الفلسطيني على العروض الأميركية الإسرائيلية، وألقى باللائمة في تعثر السلام على مواصلة إسرائيل نشاطها الاستيطاني في الضفة الغربية.
 
لكن التذرع بأعمال آنية لرفض الحل النهائي هو من باب المناورة السياسية. القيادة الفلسطينية لم تقو على قبول عرض الدولتين لأنه لم يتضمن الموافقة على عودة اللاجئين الفلسطينيين الى إسرائيل، التي لا تمانع عودة رمزية لا تتعدى بضعة آلاف، لكنها حتما ترفض عودة قرابة ستة ملايين فلسطيني مسجلين لدى "وكالة غوث اللاجئين" التابعة للأمم المتحدة (أونروا). وإن تمت إضافة هؤلاء الى مليوني عربي إسرائيلي، يصبح عدد العرب في إسرائيل ثمانية ملايين، مقابل سبعة مليون يهودي، وهذا ما يطيح بالسيادة اليهودية جملة وتفصيلا، ويتحول اليهود الى أقلية في دولتهم، الى جانب دولة فلسطينية عربية خالصة من دون أي يهود.
 
عندما شرح الأميركيون بهدوء المشكلة لعبّاس، وأصرّوا على قيامه بإقناع الفلسطينيين بالتخلي عن إصرارهم على عودة اللاجئين ثمناً لقيام دولتهم على أراضي 1967، قال الرئيس الفلسطيني في مقابلة أنه في حال التوصل لاتفاقية سلام مع إسرائيل وقيام دولة فلسطينية، فهو لا يتوقع عودته الى مسقط رأسه في صفد. ثارت ثائرة الفلسطينيين، فتراجع عبّاس عن تصريحه، وتجاهل الاقتراح الأميركي. 
 
بند اللاجئين نفسه موجود في مبادرة السلام العربية لحل الدولتين، مع تقديم خيار التسوية للاجئين ممن توطنوا في الخارج ولا يطلبون العودة. ولكن اعطاء اللاجئين الخيار يفتح امكانية تدفق ستة ملايين فلسطيني على إسرائيل، منهم مليون على الأقل من سكان قطاع غزة وحده. لهذا، لم تبد إسرائيل أي حماسة يوما تجاه مبادرة السلام العربية، مع أن الغالبية العربية تراها ترتيباً بسيطاً: أرض مقابل سلام. 
 
على أن إسرائيل تقبل مبدأ الأرض مقابل السلام، وفق كل القرارات الدولية الملزمة الصادرة عن مجلس الأمن منذ 242 في العام 1967 وحتى 1850 في 2008، مرورا بقرارات الرباعية وتوصيات ميتشل. كل القرارات الدولية تحدثت عن تنازل إسرائيل عن الأرض مقابل ضمان الفلسطينيين الأمن والسلام للإسرائيليين. ولا واحد من هذه القرارات طالب بعودة أي لاجئين فلسطينيين لإسرائيل. القرار الوحيد المتعلق باللاجئين هو 194، الصادر في 1948 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة صاحبة القرارات غير الملزمة، على عكس قرارات مجلس الأمن.
 
باكورة نصوص تنازل إسرائيل عن أراضٍ 1967، مقابل سلام عربي مع الدولة العبرية، وردت في اتفاقية كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل. في ذاك الاتفاق، تصورت إسرائيل أن انسحابها من أراض كانت تابعة لمصر والأردن كان يتطلب اتفاقا مع هاتين الدولتين. لكن بسبب الإصرار العربي على استقلال الفلسطينيين، ورد في الاتفاقية – التي وقعها رئيس الحكومة اليميني مناحم بيغين – أن إسرائيل مستعدة لتسليم أراضي 1967 لمجالس محلية ينتخبها الفلسطينيون، فيما تنتقل المسؤولية الأمنية لضبط هذه المناطق الى أيدي مصر في غزة والأردن في الضفة.
 
هذه الفكرة تطورت في وقت لاحق من حكم فلسطيني ذاتي الى إقامة سلطة وطنية فلسطينية، مستقلة عن الدول العربية، تتسلم الأمن من إسرائيل، وتتحول في فترة خمس سنوات الى دولة فلسطينية. تبنى عرفات هذا المشروع ووقّع اتفاقية أوسلو في 1993. مشكلة عرفات أنه لم يثبت، ولا يوم من الأيام، قدرته على الإمساك بالأمن، إذ شنت حماس موجات من التفجيرات الانتحارية التي أقنعت الإسرائيليين أن عرفات غير قادر، أو غير راغب، في الإيفاء بشق الأمن مقابل الأرض التي سيحصل عليها.
 
واصت إسرائيل فكرة إقامة دولة فلسطينية مسؤولة عن أمنها، على غرار مصر والأردن، وإنهاء الصراع مع فلسطين، ففرضت عبّاس على عرفات، وانسحبت أحاديا من قطاع غزة وسلمته الى عبّاس بعد انتخابه رئيسا، وفككت بعض المستوطنات في جنين وسلمتها للسلطة. وقتذاك، أظهرت حماس أن عبّاس أضعف من عرفات حتى، اذ هي نفذت انقلابا استولت بموجبه على الحكم في قطاع غزة.
 
توصّل الإسرائيليون لقناعة مفادها أن الفلسطينيين، مثل سائر العرب، غير قادرين على إقامة ديموقراطيات وإدارتها، وأن السبيل الأنجع هو التعامل مع المرجعيات الفلسطينية المتعددة، أمنيين أم غير أمنيين، في السلطة في الضفة أم في القطاع في حماس. كما أجمع الإسرائيليون أن الهدوء يتطلب تحسين أوضاع الفلسطينيين، حتى بدون التوصل لاتفاقية انهاء صراع بين الجانبين. لهذا السبب، وافقت إسرائيل على تمويل قطر لحكومة حماس، وكان السفير القطري الى غزة محمد العمادي يصل الى غزة عن طريق مطار بن غوريون ومعبر إيريز.
 
لهذا السبب أيضا، رفعت إسرائيل عدد اجازات العمل للغزيين في إسرائيل الى 120 ألفا، وسمحت بفتح مطار رامون في النقب أمام فلسطينيي الضفة، ووضعت خططا لفتحه أمام فلسطينيي غزة. وقال مسؤولون إسرائيليون لنظرائهم الأميركيين أنهم كانوا يعتقدون أن قيادة حماس في غزة تضع تحسين أوضاع الغزيين واقتصاد غزة كأولوية فوق الصراع، وأن إسرائيل ماضية في التعامل مع ذلك بانفتاح وإيجابية.
 
ثم كان 7 تشرين الأول (أكتوبر)، فراحت إسرائيل تسعى لاستبدال حماس بأي من يمكنه أن يخلفها. فكرة إسرائيل حول كيفية التعاون مع الفلسطينيين ما تزال قائمة، ومبنية على اعتبار أن الفلسطينيين غير قادرين على إقامة حكم ذاتي مقبول أو حكومة ديموقراطية، وأن الحكام الفلسطينيين غير قادرين على التنازل عن موضوع اللاجئين أو توقيع وثيقة انهاء صراع، وأن الحل الوحيد يكمن في تحسين حياة الفلسطينيين. لكن من يحكم هؤلاء؟
 
يعتقد الإسرائيليون أنهم سيعودون لاتفاقية كامب دايفد، أي التعاون مع الفلسطينيين المحليين المنتخبين على صعيد بلدة أو قضاء، أي مخاتير ومحافظين وشيوخ قبائل وعشائر، وما تبقى من رجال أمن السلطة الذين يمسك كل منهم بجهاز أمني صار يتبع له شخصيا أكثر منه للسلطة.
 
أما حل الدولتين، فيحتاج الى دولة فلسطينية قادرة على توقيع السلام مع إسرائيل، وهذه الدولة ما تزال متعثرة مثل معظم باقي الدول العربية، ولا طاقة لإسرائيل ولا مسوّغ لبناء دولة فلسطينية، ما يعني أن على الإسرائيليين الاستعاضة عن ذلك بما تيسر من زعماء محليين، وغطاء عربي إقليمي، ومزيج محلي إقليمي، وهكذا سيكون في الغالب شكل مستقبل غزة بعد الحرب.


*باحث في مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات في واشنطن

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

أبلغ دونالد ترامب الكونغرس بأن الحرب مع إيران “انتهت”، في محاولة لاحتواء الجدل القانوني مع بلوغ مهلة الـ60 يوماً دون تفويض تشريعي
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
لبنان 5/1/2026 6:14:00 PM
أنباء أولية عن مجزرة في حبوش بعد إنذار إسرائيلي وغارات عنيفة: 10 ضحايا وعدد من الجرحى
لبنان 5/1/2026 8:38:00 PM
إسرائيل تنقل المواجهة إلى عمق لبنان… “المنطقة الصفراء” تشمل قيوداً على المدارس والتجمعات