في لحظة بدت وكأن معركة كسب الرأي العام الدولي خسرناها، وتحول المزاج الشعبي الدولي ضد كل ما هو عربي لا فلسطيني فقط. لتظهر الحقائق الجديدة في وحشية الحرب على غزة وتعيد المزاج الشعبي الدولي إلى وضعه السليم أو تعديله إيجابياً، ولو جزئياً على الأقل، بعد هزة عنيفة أصابت مستوى وعي قيادات ونخب غربية عديدة.
فالعقل الغربي الرسمي لا يحتمل هزيمة لإسرائيل، ناهيك بكونها هزيمة مذلة للجيش الذي يسوّق صهيونياً بأنه سيحمي الأنظمة العربية كلها، في حالة تسييده على المنطقة!
وعمت سخرية واسعة من وهم التفوق ذاك.
وستبقى الهزيمة السياسية أقسى من أي خسائر عسكرية لإسرائيل، لهذا سيحرصون على إلحاق هزيمة سياسية أكثر من أي انتصار عسكري. فحرب الإبادة على غزة تقصد بها تصفية القضية الفلسطينية وليس فقط "حماس"، والدفع نحو التهجير الجماعي خطة مسبقة يريدون تنفيذها الآن مدعومين بأكبر دعم سياسي من أميركا وأوروبا.
وما يزيد من وطأة الهزيمة العامة وجنون إسرائيل انهيار قناعة بأن القضية الفلسطينية ماتت في وجدان الناس، وأن جيل ما بعد أوسلو ليس كجيل النكسة، وأن آخر فخر يمكنك أن تذكره من انتصارات عربية هو نصر السادس من تشرين الأول (أكتوبر) 1973، حتى جاءت ذكرى هذا النصر بعد خمسين عاماً تقول بأن الشعوب الحية لا تفقد الذاكرة، والزهايمر الذي يصيب السياسيين ليس وباءً يمكن نشره بين الناس.
لذا فإن أبرز المفارقات التي تصيب العقل الإسرائيلي الأميركي بالهلع، هي أن كل القادة والمقاومين على الأرض هم من جيل الانتفاضة، لا من جيل النكسة! وأن السقوط الذي توقع معظم المراقبين حدوثه لهذه الأمة، صار سقوطاً عكسياً لحضور الكيان الإسرائيلي وتنامي عدم القبول به.
فكيف يتوارث الناس الوجع، وهل سيُثبت علم الوراثة أن جينات الوطن جزء من تكوين البشر؟ أم أن هذه خصوصية أجيال الانتفاضة التي تتجدد كل عقد من الزمن بصورة أكثر وضوحاً؟ ذاك سؤال للتاريخ وليس لنا، أما ما هو لنا فمتابعة هذا الواقع المتجدد وكيف أن البيت الأبيض الذي يريد نصراً مزدوجاً دفع بجيشه ليكون مع إسرائيل في اجتياح غزة، ودفع بجماهير الشارع الأميركي لإعادة انتخاب بايدن.
ويبدو الرهان مستمراً، فالبيت الأبيض يعتبر الأمر قضيته الأولى، وتظهر إسرائيل ليس كحليف استراتيجي لأميركا فحسب، بل وأكثر من كونها الولاية الحادية والخمسين، إلى ظهورها بأنها حاملة طائرات عسكرية أميركية ثابتة في الشرق الأوسط لا أكثر. ولذا جاء حضور بايدن إلى جوار نتنياهو الأربعاء الماضي كعضو في حكومة اليمين الإسرائيلي لا كرئيس أكبر دولة في العالم.
ويزداد سوء حظ بايدن لينكشف أكثر، بأنه يصل إلى المنطقة مع حدوث أبشع جرائم الحرب، في قصف إسرائيل للمستشفى الأهلي المعمداني في غزة، وأدار بايدن الكاثوليكي الملتزم خده لمجزرة المستشفى العربي المعمداني الذي يعمل مُنذ عام 1882، أي قبل 66 عاماً لوجود مسمى إسرائيل، ويحاول تبرئة إسرائيل من فعلتها، ويمضي يطلب من قادة المنطقة استقباله الذي يحول دون إتمام مراسيمه جثامين آلاف الضحايا الذين قتلهتم إسرائيل في غضون أيام بغزة، فيلغي العرب برنامجهم معه قبل وصوله الشرق الأوسط بساعات. فكيف سيتخطى الرجل العجوز المنهك كل أكياس القتلى تلك ببرود؟ ويذهب ليشرب القهوة العربية في خيمة على شط البحر الميت مثلاً وقد استيقظ كل الموتى الآن وليس فقط الأحياء، كيف؟
لذا أُلغيت القمة الرباعية بينه ورؤساء مصر والأردن وفلسطين، وبقي بايدن حيث أراد أن يكون، وحيداً مع أسوأ حكومة إسرائيلية في تاريخ الكيان، يتابع إحصاء الضحايا في غزة، وفق معادلة راسخة لدى فريقه تقول بأن رفع عدد القتل اليومي في صفوف الفلسطينيين، يرفع أسهم الرجل المنهك في الانتخابات المقبلة، ويسرع الفريق المشتت في إكمال رسم شكل خريطة شتات جديدة للشرق الأوسط الجديد!
وينسى الكل أن هناك أمرين واضحين على الأقل أظهرتهما الأيام.
الأول: الواقع يثبت أن قضايا الشعوب لا تموت، وأن قضية فلسطين في قلب هذه الأمة من المحيط إلى الخليج مهما كانت ظروف دولها.
والثاني: أن عنصرية حكومة الكيان الإسرائيلي وحماقتها لا تصنعان غير خراب لن يتوقف سقوطه إلا في البيت الأبيض نفسه، فالحماقة كما العنصرية أعيت من يداويها وقد اجتمعتا كلتاهما في أبشع صورهما الآن.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض