رغم العداء التاريخي والسياسي بين الألمان واليهود، فإنّ القائمين على الكيان الصهيوني، يتخذون من شعار "أكذب حتى يصدّقك الناس" الذي صكّه جوزيف غوبلز مهندس ماكينة الدعاية النازية، مرجعاً في التعامل مع محو عار الهزيمة التي تلقّتها "العسكرية الإسرائيلية" على أيدي الجيشين المصري والسوري، في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) عام 1973.
ففي الذكرى الخمسين لانتصارات "حرب أكتوبر" المجيدة، عرضت دور السينما الإسرائيلية والأميركية، فيلم "Golda"، للمؤلف نيكولاس مارتن، والمخرج جاي ناتيف، وبطولة الممثلة البريطانية هيلين ميرين، التي جسّدت دور رئيسة وزراء اسرائيل، متناولاً جانباً من كواليس 19 يوماً من المعركة، في إطار المنظور الإسرائيلي.
حظي فيلم "Golda" الذي تمّ بثه على شبكة الإنترنت، عمداً، بنسبة مشاهدة كبيرة من شعوب الدول العربية، في محاولة لتمرير الرواية الإسرائيلية، وقلب الحقائق من أجل ترميم سمعة "العسكرية الإسرائيلية"، منذ فاجعة الهزيمة التي لحقت بها في حرب السادس من تشرين الأول (أكتوبر) 1973.
حمل فيلم "Golda"، مجموعة من الرسائل التي يتمّ محاولة ترسيخها في الوجدان العربي، بداية من التشكيك في رواية الهزيمة الساحقة على أيدي الجيش المصري، والترويج كذباً لحدوث معادلة التوازن النسبي في تحقيق الانتصار بين كفتي المعركة، خلافاً للحقائق والوثائق الرسمية التي تثبت تفوّق العسكرية المصرية، والاحتفاء بخطة "الخداع الاستراتيجي" من قِبل كبرى الأكاديميات العسكرية الدولية.
لا شك في أنّ "خطة العبور" التي وضعها كبار قادة العسكرية المصرية، أذلت إسرائيل وحطّمت أسطورة "خط بارليف المنيع"، و "إسرائيل التي لا تُقهر"، التي تمّت صناعتها برعاية الإعلام الأميركي والبريطاني، وأسقطت النقاب عن ضعف وهشاشة أجهزتها الأمنية والاستخباراتية والعسكرية.
فيلم "Golda"، ظاهره عمل دارمي فني يحمل جوانب إنسانية، وباطنه حبكة سياسية محكمة في الترويج لمفاهيم معنية بتوصيل رسائل عدة داخلياً وخارجياً، ترسّخ وتصيغ صورة ذهنية جديدة ومحورية حول "المرأة الحديدية"، التي تولّت شؤون الكيان الصهيوني، وغمرها العجز والمرض والشيب، وتقف وحيدة في مواجهة العرب والروس، راسماً صورة مشوّهة تجاه خصومها، الذين وصفهم بالمعتدين، وسافكي الدماء، وحاملي القلوب القاسية في التعامل مع الأسرى والسجناء.
ورغم أنّ لجنة تقصّي الحقائق التي تشكّلت فى تشرين الثاني (نوفمبر) 1973، برئاسة رئيس قضاة المحكمة الإسرائيلية العليا آنذاك، شيمون أغرانات، للتحقيق في أسباب هزيمة الجيش الإسرائيلي، وعُرفت باسم لجنة "أغرانات"، لم تعلن تقريرها النهائي في 1500 صفحة، وما زال يحمل "خاتم سرّي للغاية"، ولم تصدر أية قرارات لتبرئة غولدا مائير، فإنّ صنّاع الفيلم الدرامي أعلنوا في إطار تزييف الحقائق، براءتها تماماً من تهمة التغاضي عن استدعاء الاحتياطي قبل الحرب.
لم ينس منتجو فيلم " Golda" التأكيد على تمرير صناعة "الجاسوس المزدوج"، المعروف في الأجندة الإسرائيلية، بـ"الملاك"، زعماً بعمالة أشرف مروان، لجهاز الموساد الإسرائيلي، وإثارة الشكوك حول دوره وولائه للقاهرة، رغم توظيفه في "خطّة الخداع الاسراتيجي"، وقيامه بدور فاعل على الجانب الآخر من الساتر الترابي، بتكليف من الرئيس أنور السادات، في محاولة منهم للردّ على أسطورة "رأفت الهجان"، التي تمثل ضربة قاضية وكابوساً ما زال يطارد الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية.
في شهادته أمام لجنة "أغرانات" التي حققت مع القادة العسكريين الإسرائيليين، قال تسيفي زامير، رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي، الذي كان مسؤولاً مباشراً عن عملية تجنيد "مروان"، أنّه تعرّض للخداع، بينما قال إيلي زعيرا، رئيس الاستخبارات العسكرية، في مذكراته، إنّهم وقعوا ضحية عميل مُزدوج.
في إطار السردية السياسية المغلّفة بروح الهزيمة والسقوط، زعم القائمون على فيلم "Golda"، أن الرئيس أنور السادات قبِل التفاوض مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، تفادياً للمزيد من الهزائم التي تكبّدها الجيش المصري في موقعة ثغرة "الدفرسوار" في 16 تشرين الأول (أكتوبر) عام 1973.
هدفت "الثغرة" إلى تطويق الجيش الثالث الميداني، ووفق المنشور العسكري المصري رقم (50)، حول تصفية القوات المتسلّلة، قال البيان "إنّ وحداتنا الخاصة بالتعاون مع قواتنا البرية ونيران المدفعية خلال المعارك التي دارت في منطقة المحور الأوسط والدفرسوار، تمكنت من تكبيد العدو خسائر فادحة في المعدات والأفراد، وما أمكن حصره منها حتى ساعة صدور البيان تدمير 85 دبابة و 56 عربة نصف مجنزرة، وأسر أطقم كاملة من أفراد بعض الدبابات".
وقد اعترف رئيس أركان الجيش الإسرائيلي حاييم بارليف، بأنّ "الثغرة" هدفت إلى محاصرة القوات المصرية التى عبرت شرق القناة، إلاّ أنّ هذا الهدف لم يتحقق، وأنّ القوات الإسرائيلية وقعت فى فخ عسكري، وأنّ المصريين كانوا على وشك القضاء عليهم تماماً، وأنّ قرار وقف إطلاق النار بمثابة رصاصة الرحمة للجنود الإسرائيليين.
لم يتطرّق القائمون على فيلم "Golda" إلى مصطلح الدولة الفلسطينية، وإلى حقوق الشعب الفلسطيني المقهور، ومعاناته في الحصول على حرّيته ووطنه، وكأنّهم ليسوا على خريطة الحياة "الإنسانية" التي وظفّوها في الترويج لمعانٍ محدّدة عبر الخطوط الدرامية للعمل الفني، من أنّ المجتمع الإسرائيلي، مسالم وغير معتدٍ، ومحب للسلام مع جيرانه من الدول العربية.
ثمة مجموعة من الشهادات أثبتت كذب الرواية الإسرائيلية حول مزاعم الانتصار الوهمي والزائف، أهمها مذكرات رئيسة الوزراء الإسرائيلية، التى نشرتها تحت عنوان "حياتي"، قائلة: "لن أكتب عن الحرب من الناحية العسكرية، فهذا أمر متروك للآخرين، ولكني سأكتب عنها ككارثة وكابوس عشته بنفسي وسيظلّ معي طول العمر".
وقد صدر كتابٌ عن "حرب أكتوبر" في عام 1974 بعنوان "المحدال"، ويعني بالعبرية "التقصير"، ترجمته مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وكتبه سبعة من الصحافيين العسكريين الإسرائيليين، الذين رافقوا القوات الإسرائيلية أثناء المعارك، وسجّلوا شهاداتهم بدافع الصدمة والمرارة والإحساس بالهزيمة والإذلال، ما جعلهم يسجّلون الكثير من الحقائق التي وصفوا خلالها "خطّة الخداع الاستراتيجي" بـ "مصيدة الحمقى".
يقول وزير الدفاع الإسرائيلي السابق موشي ديان في مذكراته: "لم أستطع إخفاء مشاعري عند مشاهدتي لأرض المعركة، فقد كان المئات من الدبابات والعربات العسكرية محترقة ومدمّرة ومتناثرة في كل مكان، ولا يبعد عن بعضها البعض سوى أمتار قليلة، وكانت من بين الأسلحة المدمّرة صواريخ سام 2 وسام 3، ومع اقترابي من كل دبابة كنت أتمنى ألاّ أرى العلامة الإسرائيلية عليها، وانقبض قلبي كثيراً من كثرة الدبابات الإسرائيلية المدمّرة، فقد كان بالفعل هناك العشرات منها، ولم أشاهد هذا المنظر طوال حياتي العسكرية، حتى في أفظع الأفلام السينمائية الحربية، فقد كان أمامي ميدان واسع لمذبحة أليمة تمتد إلى آخر البصر. كانت تلك الدبابات والعربات المحترقة دليلاً على المعركة الأليمة التي دارت هنا".
تعتبر القوات الاسرائيلية أنّ الدراما سلاح فاعل في إدارة المعركة، لما لها من تأثير تعجز أمامه الجيوش والمدافع، وقدرتها في توجيه الرأي العام الإقليمي والدولي، وبناء سرديات سياسية تعدل من سمعتها ومواقفها وهزائمها وضعفها أمام الأجيال الحديثة، مرتدية عباءة المظلومية، ودفن تاريخها القذر الملطخ بجرائم العنف والقتل للشعوب العربية.
*كاتب مصري، وباحث في شؤون الجماعات الإرهابية
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض