وتأبى المصائب أن تأتي فرادى كما قيل، وذاك أمر ينطبق على كل المستويات، سواء الوطني أو الإقليمي والدولي. باختصار، هناك وضع مضطرب، على كل مستوى تذهب إليه، ومن المفارقات أني أقرأ الآن خبراً عن احتمال اصطدام كويكب بالأرض، والخبر يقول، إنّ علماء وكالة "ناسا" كشفوا أنّهم في "المرحلة الأخيرة" من مهمّتهم، لتجنّب اصطدام كويكب بالأرض بقوة تعادل 22 قنبلة ذرية.
ويعتقد العلماء، أنّ يوم 24 أيلول (سبتمبر) 2182 يمثل اليوم الذي يمكن أن يضرب فيه الكويكب "بينو" (نسبة إلى اسم طائر مصري أسطوري) الأرض.
وإذا تمّ، فموعده مثل اليوم بعد 159 عاماً، وذلك ليس ببعيد، حيث ستبقى كوارث الانقسام في أمتنا حتى وصول الكويكب على ما يبدو، مع قليل من التفاؤل.
ومن يقول لك إنّ الأمور تحت السيطرة هو حتماً خارج نطاق الخدمة موقتاً! (بحسب ردّ شبكة الهاتف المحمول عند قطع الإتصال).
ودوماً ما نسمع أنّ الاضطرابات المناخية هي جزء من مؤامرات سرّية، وليست نتيجة عبث البشر واستهتارهم... هذا العبث المستمر بكل الموارد الذي جعل الحالة الكونية بصورة تقول "أينما وَلَّيْتَ وجهكَ: كلُّ شيء قابلٌ للانفجارِ"، وتحاصرك أخبار الكوارث الطبيعية والبشرية.
فما أن استيقظنا من هول زلزال الحوز في المغرب، حتى جاء إعصار درنة في ليبيا، إلى أخبار الفيضانات والحرائق المتلاحقة في العالم، والأهم منها حرائق الحروب والنزاعات المتفاقمة.
واستطاع المغرب أن يلملم جراح زلزاله بسرعة، ضمن هبّة مجتمعية مثيرة للإعجاب، عبر تعزيز تعاضد المجتمع وإظهار مكامن القوة والثبات في مؤسسات الدولة، "ومن عاش اللحظات مثلي في زلزال المغرب يعرف مدى الدرس العظيم الذي قدّمه المغاربة في التلاحم المجتمعي ورباطة الجأش".
وحفرت سيول إعصار درنة في ليبيا جرحاً عميقاً في قلبنا العربي، إثر تمزّق المؤسسات وتشظيها، وذاك لعمري هو إعصار مستمر يضرب الحاضر والمستقبل.
وفضح إعصار درنة نفاقاً دولياً لا يُحتمل، فكل دعم الأمم المتحدة تساوى مع دعم تاجر واحد في ليبيا، وقدّم الشعب الأصيل درساً في الصبر والتلاحم، تمنيت أن يصل إلى القيادات والمجتمع الدولي.
وكما قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش: "درنة تمثل صورة حزينة لحالة عالمنا، حيث يعمّ طوفان عدم المساواة والظلم، وعدم القدرة على مواجهة التحدّيات".
نعم قبل انهيار السدود كانت ولا تزال مشكلتنا انهيار المؤسسات وعجزنا عن صنع السلام.
وإن كانت محن الزمان كثيرةٌ لا تنقضي... وسرورها يأتيك كالأعياد ! كما قال الإمام الشافعي، فهي أيضاً محطات هامة للمراجعة، وفي الشعوب الحيّة تكون فرصةً للنهوض أكثر قوةً.
وفي الحروب المدمّرة مثلاً التي مُنيت بها الشعوب الحرّة وقيض الله لها قيادات ملهمة، كان الخروج من الكارثة مذهلاً في صنع تماسك مجتمعي، ورؤية تنهض بالناس وتلملم جراحهم، وتحوّل غضبهم وحزنهم إلى طاقة مبدعة للإنطلاق.
ووفق الشافعي نفسه أيضاً فقد قال قولته الشهيرة:
"جَزَى اللهُ الشَّدَائِدَ كُلَّ خَيْرٍ... وَإنْ كانت تُغصّصُنِي بِرِيقِي.
وَمَا شُكْرِي لهَا حمْداً، وَلَكِن عرفت بها عدوي من صديقي".
وما حولنا من اضطرابات ممتدة من اليمن إلى السودان، إلى لغم سدّ النهضة، مروراً بجرحنا الفلسطيني، فليس أقل غضباً من كوارث الطبيعة، إن لم تكن أشدّ مضاضة، وذاك إفساد آخر لمناخ السياسة والإنسانية، وأشدّ تلوثاً من إفساد مناخ الطبيعة.
لكن يبقى الأهم، هو كيف نمتلك الإرادة في التغلّب على الكوارث والانتصار على المحن.
وأنا على يقين، أنّ مواجهة كوارث الطبيعة مهما بدت مدمّرة، تبقى أهون بما لا يُقاس من كوارثنا كبشر.
فها نحن في تجارب حروبنا الداخلية نصنع أمراء حرب لا قادة فكر، وتَصنع القوى الدولية والإقليمية ميليشيات لدينا، تتناسل كالفطر وتنتهي المؤسسات، وبينما تفتح المعسكرات السرّية أبوابها تُغلِق مراكز البحث والعلم نوافذها.
وأصبح لدينا في بلدان النزاعات عشرات الميليشيات وآلاف من مخازن الأسلحة، ولا نجد فريقاً طبياً مؤهلّاً، ولا قدرات بشرية في التخطيط والإدارة.
لدينا معسكرات مكتظة بكل خردة أسلحة العالم، ولا نملك مصنع إنتاج للتكنولوجيا، لدينا حقول ألغام لا حقول قمح.
تلك هي المأساة الأشدّ والكوارث الأسوأ من كوارث الطبيعة.
لهذا ما يحتاجه الناس برامج وخططاً لبناء الدول، وقوة لصنع السلام وليس لإشعال الحروب.
*سفير اليمن في المغرب
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض