08-09-2023 | 06:00

التّفاهمات في ليبيا تعود إلى المربّع الأول

يبدو أن نتائج المجهودات الكبيرة التي بذلها رئيس المجلس الرئاسي الانتقالي محمد المنفي والمبعوث الأممي عبدالله باتيلي بدأت تتبدَّد، وعاد التشنج يطفو على سطح الأحداث الليبية،
التّفاهمات في ليبيا تعود إلى المربّع الأول
Smaller Bigger
يبدو أن نتائج المجهودات الكبيرة التي بذلها رئيس المجلس الرئاسي الانتقالي محمد المنفي والمبعوث الأممي عبد الله باتيلي بدأت تتبدَّد، وعاد التشنج يطفو على سطح الأحداث الليبية، وبرزت مستجدات مالية وأمنية وسياسية لم تكن بالحسبان، وهي ساهمت في إجهاض المبادرات التصالحية، وتوقيف عجلة القطار الذي كان يحمل الملفات المالية لينقلها إلى واحة الوحدة المنشودة، وكانت الآمال معقودة على توحيد المسار المالي لتنطلق منه مسيرة التفاهمات على المواضيع الانتخابية والدستورية والنفطية.
 
عادت الوحدة إلى مصرف ليبيا المركزي في 20 آب (أغسطس)، بعد اجتماع عقده مدراء فرعي المصرف في كل من طرابلس وبنغازي بحضور المحافظ الصديق عمر الكبير ونائبه مرعي مفتاح رحيل. وكان ذلك ثمرة جهود مستمرة بذلها المبعوث الأممي ورئيس المجلس الرئاسي، وأعقبت اجتماع المنفي مع قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر ورئيس البرلمان المنتخب عقيلة صالح في بنغازي، ومن ثمَّ اجتماع المنفي مع رئيس الحكومة الانتقالية عبد الحميد الدبيبة ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكاله في طرابلس. وكانت الأجواء مهيأة لعقد تفاهمات أخرى ستشمل الاتفاق على التعديلات الدستورية وإصدار قانون الانتخاب الذي سيسمح برفع القيود عن بعض الترشيحات، لا سيما عن الذين يحملون جنسية أخرى إلى جانب الجنسية الليبية، ولإفساح المجال لسيف الإسلام معمر القذافي بالترشح، متجاوزين القيود التي تفرضها مذكرة التوقيف الصادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية.
 
أبرز المستجدات التي حصلت وأعادت الأوضاع إلى مربع التشنُّج؛ كان شروع البرلمان الليبي في طرابلس بمناقشة وإقرار قانون الموازنة المالية للدولة، وقد لحظ القانون رصد اعتمادات مالية لحكومة شرق ليبيا، برغم أنه اعتمد على توحيد الموارد، بما فيها عائدات النفط والغاز، وقد بلغت تقديرات المداخيل المالية 79 مليار دينار ليبي، بينما بلغت قيمة المصارفات 69 ملياراً. والخبراء الذين واكبوا خطوة البرلمان غير التصالحية قالوا إن ذلك حصل لحثّ المجتمع الدولي والقوى المحلية الأساسية لتأليف حكومة واحدة، تمثل كل ليبيا، بينما يواجه هذه الموضوع بمعارضة شديدة من الرئيس عبد الحميد الدبيبة، لأنه يعتبر أن حكومته تألفت للإشراف على الانتخابات الرئاسية والتشريعية المُزمع تنظيمها، وهي لن تسلِّم السلطة قبل إنجاز هذه المهمة.
 
وقد ساهمت الاعتراضات التي واجهت اجتماع وزيرة الخارجية في حكومة الدبيبة نجلاء المنقوش مع وزير خارجية إسرائيل إيلي كوهين في روما في زيادة التشنجات، رغم أن الدبيبة أعفى المنقوش من منصبها، وأنكر أي علم له بالاجتماع. وموضوع رفض التطبيع مع إسرائيل يقع محل إجماع من قبل كل المكونات الليبية، وهناك قانون صدر عام 1957 يمنع إقامة أي اتصال مع إسرائيليين، وما زال هذا القانون ساري المفعول حتى اليوم. علماً أن وسائل إعلام مختلفة، وقوى معارضة، اتهمت الدبيبة بأنه كان على علم مسبق بالاجتماع الذي عقدته وزيرة خارجية حكومته مع نظيرها الإسرائيلي، لكن الدبيبة نفى هذه الاتهامات نفياً قاطعاً.
 
وكان البارز أيضاً ظهور احتجاجات في بعض المناطق الليبية، نظمها مناصرون لسيف الإسلام القذافي، حملت تهديدات بالزحف على المقار الرسمية، وهي طالبت بتعديل قانون الانتخاب كي يسمح للقذافي بالترشح للمواقع القيادية، كما رفضوا أي تراخي في مسألة التطبيع مع إسرائيل، وحثوا السلطات الليبية على التحرُّك لإطلاق سراح هنيبعل معمر القذافي المسجون في لبنان منذ 7 سنوات من دون محاكمة. ومما لا شك فيه أن حراك نجل الزعيم الراحل معمر القذافي (قتل عام 2011) له تأثيرات قبلية وجهوية في ليبيا، وهو يعيد تنظيم مناصري والده الذين تعرّضوا للاضطهاد خلال السنوات العشر الماضية، كما أن الفوضى التي عاشتها البلاد بعد إطاحة القذافي ساهمت في زيادة مؤيدي سيف الإسلام.
 
عادت الخيبة تتغلغل في نفوس الليبيين الخائبة، وبدا التشاؤم سيد الموقف بعد موجة التفاؤل الأخيرة، والمبعوث الأممي عبد الله باتيلي فرمل حراكه بعدما تلقى تحذيرات من قوى محلية فاعلة، ترفض فرض أجندات دولية على مساعي المصالحة. بينما رحبت مصر ودول عربية أخرى بالمساعي التي بذلها رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، وأسفرت عن لقاءات هامة حصلت في بنغازي وفي طرابلس، واتفق فيها على أن التعديلات الدستورية لا يمكن أن تحصل إلا من خلال لجنة " 6+6 " التي تمثل مجلس الدولة ومجلس النواب.
 
التطورات الدولية، ولا سيما الأفريقية منها؛ لم تكن في مصلحة ليبيا، وهي حرفت الأنظار عنها، بينما تركَّز اهتمام القوى العربية والعالمية المؤثرة على مواكبة الأزمة المتفاقمة في السودان، وعلى التغييرات الهائلة التي حصلت في أفريقيا بعد الانقلابين العسكريين اللذين حصلا في النيجر وفي الغابون. والواضح أن صراعاً دولياً حامياً فُتح بعد هذه الأحداث، واشتدَّ التنافس بين فرنسا والولايات المتحدة الأميركية من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى لفرض استقطابات جديدة في القارة السمراء.
على أمل أن لا تطول فترة التشنُّج الجديدة؛ ليبيا تحتاج إلى الاستقرار، والاستقرار لا يأتي إلا من خلال المصالحة والتفاهمات.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية