حالةٌ من الغضب انتابت الشارع المصري في الأيام الماضية جراء خلافات ممثلي المعارضة المصرية، التي انتقلت من الإطار السياسي إلى جوانب الحياة الشخصية، وحملت مضامينها ألفاظاً بذيئة وخادشة للحياء والذوق العام، ووصلت في نهايتها إلى النيابة العامة وساحات المحاكم، سواء التي بين أسماء محفوظ وأمل فتحي وندى طعيمة، أم التي بين هشام قاسم وكمال أبو عيطة.
فضائح المعارضة المصرية، أو وصلات "الردح" و"الشرشحة"، التي تمّ بثها في فيديوهات في وسائل التواصل الاجتماعي، وضعتنا أمام حالة من العبث تشهدها النخبة السياسية منذ صك مصطلح "الفوضى الخلاّقة" عام 2005، وظهور المعارضة المدفوعة عبر المنظمات والمؤسسات الحقوقية غير المحايدة، وغير الموضوعية في تناولها الكثير من الأوضاع المتعلقة بالشأن المصري.
مرّت المعارضة المصرية بحالات من الصعود والهبوط على مدار الحقب الزمنية، والأنظمة السياسية المتعاقبة، ومثلها مجموعة من الأحزاب السياسية مثل أحزاب "الوفد"، و"الأمة"، و"التجمع"، و"مصر الفتاة"، و"الدستوريين الأحرار"، و"العربي الناصري"، و"الشعب"، و"العمال"، و"الغد" وغيرها.
منذ التمهيد لمشروع الشرق الأوسط الكبير، ومخطط تفكيك المنطقة العربية، تحوّلت المعارضة السياسية إلى خنجر لطعن الاستقرار الداخلي، في ظلّ تدريب القيادات الشبابية على"مشاريع التثوير"، ومفاهيم "العصيان المدني"، وتكتيكات "الثورات الشعبية".
أجندة المعارضة الحالية، لا تعمل على امتلاك رؤية أو مشروع سياسي، أو المساهمة بدور فاعل في رصد الأزمات الداخلية، وطرح عشرات الحلول المعنية بمعالجتها، لكنها قصرت موقفها على التطاول على القائمين على الدولة المصرية ومؤسساتها، إذ إنّ غالبيتهم نتاج "الصوابية السياسية"، التي لا ترفع سوى شعار "إسقاط النظام"، وترغب في إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفقاً لميولها ومعتقداتها السياسية.
ومن ثم من أجل أن تصبح معارضاً للنظام الحاكم، عليك أن تتطاول عليه، وعلى سياساته، وأن تلعن قراراته، وأن تطعن في ذمّة القائمين عليه، وتشكّك في منطقه ورؤيته، وتنشر حوله الإشاعات والأكاذيب، وتضعه في دائرة التآمر على الشعب، والتلاعب بهويته الفكرية والثقافية.
ما فعله ويفعله فلول المعارضة المصرية، من تطاول وتجريح وتشكيك، لا يمتّ إلى العمل السياسي بصلة لا من قريب ولا من بعيد، بعدما كانت رمزاً للعمل الوطني، وقبل أن تتحوّل إلى باب للارتزاق والتسول وجني الأموال، والتحريض على الدولة ومؤسساتها.
يدير مشهد المعارضة السياسية في المرحلة الراهنة لوبي "رجال الأعمال"، الذين تعارضت مصالحهم، أو اختلفت أجنداتهم مع توجّهات النظام السياسي، ومن ثم يتخذون موقفاً معادياً مع كل ما يتمّ تنفيذه داخل الدولة المصرية. تليهم معارضة "النخبة السياسية" التي اعتادت على رحلات التجوّل الخارجي شرقاً وغرباً، من حسن نصر الله، إلى بشار الأسد. يشاركهم الدور المرسوم، مرتزقة "المنظمات المدنية"، الذين تاجروا بالأزمات الداخلية، لاسيما في سنوات الرئيس مبارك الأخيرة، واستكملوا طريقهم عقب سقوط حكم "الإخوان" في حزيران (يونيو) 2013، في التشنيع بالدولة المصرية ومؤسساتها أمام البرلمانات الأوروبية، مقابل الحصول على ملايين التمويلات التي جعلتهم من أثرياء القوم، يليهم "فيلق المتطاولين" على وسائل التواصل الاجتماعي، الذين لا يعرفون المعنى اللفظي للفرق بين حدود التطاول والنقد، وهؤلاء يمثلون وقوداً لمعركة مدفوعة الأجر من دون أن يتقاضوا منها مليماً واحداً.
تروّج المعارضة السياسية أنّ ضعفها يتمثل في التضييق الأمني على تحرّكاتها وحرّياتها، وتهميش دورها، في محاولة للمداراة على عجزها في تقديم أي حلول عملية للمشكلات الداخلية، وتحوّلها إلى كيانات هشة لا تحرّك ساكناً، ولا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تملك حتى المقدرة على النقد البنّاء لسياسات النظام الحاكم.
في الغالب، منح القوى السياسية المعارضة، مساحتها الكاملة من دون غلق الباب أمامها، يحقّق الكثير من المكاسب للدولة المصرية خارجياً وداخلياً، وينفي ما تروّجه من تلفيقات حول الإجراءات النظامية، لاسيما المتعلقة بالأمن القومي.
رغم أنّ القوى السياسية تتشكّل من ما يزيد على 85 حزباً (وفقاً لتقديرات الهيئة العامة للاستعلامات)، فإنّها فشلت في أن تتوافق في طرح منافس للرئيس عبد الفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها الأشهر القليلة المقبلة، في ظلّ اكتفاء غالبيتها بموالاة النظام السياسي، أو اختفائها تماماً بحجة عدم فعالية المشهد السياسي، تهرّباً من التطرّق أو الاعتراف بتدني حجمها وثقلها في الوسط النخبوي والشعبوي.
الحياة السياسية المصرية في حقيقتها ليست في أفضل حالاتها نتيجة الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها النظام السياسي الحاكم، في ظلّ معاناة الدولة، عقب خروجها من ثورتين متتاليتين، وتداعياتهما السلبية على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومحاولته تفكيك حالة السيولة التي انتابت الحياة العامة، فضلاً عن مكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة على مدار أكثر من عشر سنوات متصلة.
نبض