15-08-2023 | 06:20

شاعرٌ بالقهر لا كاتب درر!

استمعت الى حديث إذاعي ممتع ( هذا يعني تشبثي بجيل الراديو ). الحديث كان عن الفرق بين كلمتي حِرفة بكسر الحاء وتعني مهنة، وحُرفة (بضم الحاء) وتعني سوء الحظ والحرمان والشؤم والتعاسة.
شاعرٌ بالقهر لا كاتب درر!
Smaller Bigger
استمعت إلى حديث إذاعي ممتع (هذا يعني تشبثي بجيل الراديو). الحديث كان عن الفرق بين كلمتي حِرفة بكسر الحاء وتعني مهنة، وحُرفة (بضم الحاء) وتعني سوء الحظ والحرمان والشؤم والتعاسة. 
 
وخلاصة القول تجنُب الخطأ الشائع الذي نقوله لكل من كتب في الشعر والأدب (فلان أدركته حرفة الأدب)، بكسر الحاء بل نقولها بضم الحاء.
وكان تعليقي بسيطاً وهو أنه في كل الأحوال يبقى الوضع مكسوراً! وهو كسر معنوي لا مجرد إعراب في النحو والنطق! 
فمهنة الكتابة أمر لم يُقره مجتمعنا بعد، ولا ينظر الناس إلى أن في الكتابة دخلاً مستوراً يُعيل صاحبها.
 
لكن المشكلة ليست في الفقر وحده، فالكتابة في عالم مزدهر بالخوف تبقى فعلاً فيه ارتكاب خطأ تاريخي، ومغامرة تُعرف صعوبة أولها وتُدرك خطورة خاتمتها. 
 
الكاتب في هذا العالم كائن غريب يسير في حقل من الألغام، وعليه أن يُعلِّم الآخرين الرقص!
 
كان إدغار رايس بوروس يقول إن الفقر مهنة الكسالى، وربما يحق لكاتب قصة طرزان الشهيرة أن يقول ذلك، فهو لم يُخرج بطل روايته من أدغال منسية، لكن واقعنا يقول إن الكتابة انتحارٌ مشرعن ومطلوب.
 
ورغم ما يقوله ميخائيل نعيمة حول أنه (كم من ناس صرفوا العمر في إتقان فن الكتابة ليذيعوا جهلهم لا غير)، لكن تبقى هذه المغامرة مطلوبة لتشع الحياة بوهجها.
 وكما يقال فإن الكتابة لا شيء سوى رعشة الألم الخفية التي نخبئها عن الآخرين حتى لا يلمسوا حجم المأساة، وفي الوطن العربي تكون المعاناة مضاعفة عن غيرها. 
لفت نظري هذا الأسبوع صديق دبلوماسي بسؤال ما إذا كان مصطلح الوطن العربي ما زال مسموحاً به!! أم ثبُت مصطلح المنطقة العربية؟  
قال ذلك ونحن نقلب قائمة تبدلات عجيبة عدة في عالم السياسة والإعلام. 
ولم نضحك بل ابتسم هو كعادة الدبلوماسي ابتسامة محايدة! 
 
وتلك قصة أخرى، فالحياد في الكتابة من وجهة نظري فعلٌ غير ممكن.
ولكن في زمن يتم فيه (تكريس التفاهة) كنظام عالمي، تصبح ومضات الفكر التي نراها هنا أو هناك، ضالة المؤمن، وعلينا ألا ندعها تموت بحسرة صاحبها. 
فهذا زمن عجيب يدعو للسلام ويصنع كل أنواع الحروب، يرفع شعارات المحبة والمساواة ويُسّيد رموز العنصرية في كل مكان.  
يصنع كل يوم اختراع نحو العلم المثير للدهشة ويكرس قيم التفاهة العجيبة! ويمجد العنف.
 
مثلاً هذا الأسبوع رأيتني أعتذر عن عدم حضور فيلم أوبنهايمر الذي 
يروي حياة عالم الفيزياء النظرية روبرت أوبنهايمر، وتركز القصة في الغالب على دراسات أوبنهايمر المبكرة، وإدارته لمشروع مانهاتن خلال الحرب العالمية الثانية.
 
ليس فقط تضامناً مع غضب اليابانيين من الفيلم الذي يعيد تمجيد صانع القنبلة النووية، ولكني أيضاً لا أحب أن نجلس في مقاعد المصفقين للخطأ ولو كان في السينما على الأقل، فإذا كنا ارتكبنا أخطاءً فعلينا أن نعتذر عما تم ونؤكد بسلوك مغاير لا أن نكرّس الخطأ. 
أنا أرى أن التصفيق لمرتكب الخطأ خطيئة، 
وكذلك في فعل الكتابة التي بدأنا بها، البعض يرتكب خطأً فيكتب ويصر على خطئه، لكن أن تحتفي بذلك الخطأ جهات وأشخاص فهؤلاء لا يرتكبون الخطأ نفسه بل يصبح فعلهم جريمة. 
 
وإذا قادك سوء الحظ إلى ملتقى سياسي يُراد به تغيير بلد فستجد جهات صانعة للحوادث، تفرض عليك ما يسمون بصانعي المحتوى أو المؤثرين. 
وهي الصفات القادمة لبديل مسميات مثل الأدباء والكتاب والفنانين.
فكلمة كاتب مثيرة للإزعاج رسمياً، مثيرة للشفقة شعبياً، مثيرة للفقر عائلياً! 
لهذا ما قيل قديماً حول فلان أدركته حُرفة الأدب بمعنى أدركه 
سوء الحظ! أمر سيبقى صائباً.
 
منذ أن بويع عبد الله بن المعتز بالخلافة سنة 296هـ، ولم يلبث فيها غير يوم وليلة ثم قُتِل، رغم أنه كان أديباً يعيش رغد العيش ونعيم الحياة، ولكن قُتل حال وصوله الى كرسي الحكم، فقال الناس: "لم يكن به بأسٌ ولكن أدركته حُرفة الأدب"، أي سوء الحظ لا مهنة الفقر. 
 
ولا أنسى صديقاً ساخراً لا علاقة له بالكتابة والأدب كان أكثر حضوراً في تجمع اتحاد الأدباء. وعندما يسأله أحدهم هل هو كاتب فيرد بهدوء بل شاعر، ويكمل همساً "شاعرٌ بالقهر، لا كاتب درر".
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية