22-07-2023 | 05:00

نحتاج اختيار أعدائنا!

أخبار الحروب تطغى على كل لحظة فرح، وإذا ما صمت مذيع الأخبار عن نقل نزاع هنا وانفجار هناك، جاءت أخبار مؤشرات البورصة وكوارث الجوع وانهيار الاقتصاد. نعم لقد عشنا عمراً جُله محطات استراحة لحرب لم تنته، معارك شتى وخسارات عدة، كما هي انتصارات لا تعني شيئا غير شحذ الهمة لنستمر - على ما يبدو - في درب من الخسران الدائم !
نحتاج اختيار أعدائنا!
Smaller Bigger
ها أنا ذا في مطار بزحمة صيف خانق، تلاحقنا الحوادث والأخبار، وكأننا في مشهد فيلم كابوسي طويل يأبى أن تنتهي مشاهده.

تقلب بصرك في قاعات الانتظار في دهشة، وشاشات الأنباء تقلب مواجع لا تتوقف في كل بقاع الوطن الممتد من الماء إلى الماء. 
 
فأخبار الحروب تطغى على كل لحظة فرح، وإذا ما صمت مذيع الأخبار عن نقل نزاع هنا وانفجار هناك، جاءت أخبار مؤشرات البورصة وكوارث الجوع وانهيار الاقتصاد. 
نعم لقد عشنا عمراً جُله محطات استراحة لحرب لم تنته، معارك شتى وخسارات عدة، كما هي انتصارات لا تعني شيئاً غير شحذ الهمة لنستمر - على ما يبدو - في درب من الخسران الدائم! 
  
لست في جو من التشاؤم أبداً، رغم أن ما حولنا لا يضفي على الوجود جو التفاؤل الجميل إطلاقاً. إنها منزلة بين منزلتين.
ذاك يذكرنا بعنوان رواية الكاتب الفلسطيني الراحل أميل حبيبي الذي جمع في عنوانها بين المفردتين وصارت "المتشائل".
الأمر أكثر تعقيداً من ذلك، أنه هذا الحذر الذي يجعلك واقفاً وسط حقل من الألغام من دون خريطة!

وقد قالت العرب حكمتها قديماً، لمن وجد نفسه في وضع لا وضوح للرؤية فيه، قالوا: "إذا أظلمت فقف!".
وذاك يعني اصبر حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود.  
وليس هناك أكثر وفرة من نصائح حول دروس الصبر في هذه الأمة العربية المسكونة بالوجع! يتقنها الناس بالفطرة وتتوارثها الأجيال، فهي أمة محاطة بالخوف والأعداء منذ الأزل. 
لذلك تتقن الصبر أكثر من غيرها وتتبدل فيها الحال لتنهض ثانية، أمة وُجدت في وسط الكون وعين عاصفة الحياة، يرهقها ظلم الأقرباء ولا تنكسر من عدوها.

وفي كل لقاء دولي ما زال يحضرني القول إن أحقر ما في هذا الزمان، هو صعوبة أن تختار أعداءك لا أصدقاءك. 
فالأصدقاء معظمهم إما رحل قهراً أو أخذته غيبوبة الصمت العجيبة أو، كما قيل، سقط عند أول ارتطام لقطار الوطن في محطة الألم، لكن علينا أن ندقق الآن في اختيار أعداء أكثر نبلاً، إن كان للعداوة نبل وأصول من أساسها.  
 
وليس أصعب من لحظة أن يتحول الوقت كله إلى فصل خريف حزين يغمر المنطقة كلها، بأوراق الخذلان المتساقطة، وتجد نفسك في ورطة بين عدو حاقد وصديق جاهل!
ولأني غارق هذه الفترة في رحلة قراءة عن زمني الأندلسي باحثاً عن أثر لقافلة أجداد رحلوا وسعيد بإعادة اكتشاف ما كتبه الراحل الكبير حسين مؤنس عن فجر الأندلس، فإني أرى التاريخ العالق في الذاكرة، يعود كواقع يبعث على الدهشة والخيبة، وسبق أن كتبت عن ذلك، ويبدو أنه يستحق التكرار والتذكير معاً.
 
أرى تاريخ ملوك الطوائف وهم يمزقون بعضهم بعضاً يتجسد أمامنا ثانية خارج أسوار الأندلس هذه المرة، وكأني بالمرء يقرأ في صفحات التاريخ مستقبله لا ماضيه.  
ويرقب بوضوح مشاهد السقوط المتتالية القادمة للأمة نفسها، بملامحها الحزينة؟ وإن اختلف المكان وتغير الزمان، لكن تشابهت الخيبات.
وكأن جنون الطوائف عدوى تنتشر من جديد في هذا الزمن العربي! ليتجسد واقعاً، لا مجرد ذكرى في كتب التاريخ.  

وكأننا نحقق ما قاله كارل ماركس ذات يوم: "إنّ التاريخ يعيد نفسه مرتين، مرة على شكل مأساة، ومرة على شكل مهزلة"، وما نراه الآن هو المهزلة والمأساة معاً.
تحضر لقاءات تتبدل فيها مقاعد (الأعدقاء)! أولئك الذين لم يغادروا صفوف العداوة، وصاروا يلوحون لك بصداقة ملتبسة! 

ولكني على يقين دوماً بأن هذه الأمة ستفيق كعادتها ويغرب عنا خريف الألم، لكي يزهر بعده ربيع الروح، تلك سنة الحياة وعهدنا بهذه الأرض.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية