يُنذر التسابق على المناورات العسكرية في أوروبا وفي شرق آسيا بمخاطر كبيرة، ذلك أنّها المرّة الأولى التي تجري فيها مثل هذه المناورات في بعض الأماكن الجغرافية الحسّاسة، كما المرّة الأولى التي تُستخدم فيها تجهيزات عسكرية استراتيجية، بما فيها دفاعات قادرة على تعطيل الصواريخ الفرط صوتية، وعلى التعامل مع الطائرات المسيَّرة. ورغم تأكيد المانيا أنّ المناورات الأطلسية لن تقترب من إقليم كالينينغراد الاستراتيجي الروسي، كونه مقراً لقيادة اسطول البلطيق الذي يُعتبر الأقوى بين الوحدات العسكرية الروسية؛ إلّا أنّ روسيا لن تألو جهداً في العمل على استثمار جغرافية الإقليم لتحصين مكانتها العسكرية.
تبلغ مساحة إقليم أو "جيب" كالينينغراد الروسي ما يُقارب 200 كلم مربّع، وهو يُشاطئ بحر البلطيق من الغرب ومن جزء من شماله، ومُحاط بأراضي ليتوانيا من الشرق ومن غالبية الشمال، وتحدّه بولندا من الجنوب، وهما دولتان عضوتان في حلف شمالي الأطلسي "ناتو"، ويربط الإقليم ممر "سوالكي" بطول 64 كلم مع جمهورية بيلاروسيا الحليفة لروسيا. والإقليم يُعتبر قاعدة متقدّمة لروسيا وسط شمال أوروبا، ويتمتع بمكانة استراتيجية، لقربه من أقصى جنوب غرب بحر البلطيق الذي يتوسط دولاً هامة في حلف الأطلسي كالسويد وفنلندا وبولندا والمانيا والدنمارك وليتوانيا واستونيا ولاتفيا. وكل ذلك يزيد من أهميته في الصراع الجيو- سياسي، أو ربما العسكري في أوروبا.
يعيش في إقليم كالينينغراد مليون مواطن روسي، كان قد أحضرهم الزعيم السوفياتي الراحل جوزف ستالين، بعد أن سيطر على الإقليم وطرد القوات الألمانية منه عام 1945. وقد تحوَّل الإقليم ألى ما يشبه "هونغ كونغ" أوروبية بعد العام 1964، وتعمّدت السلطات السوفياتية في حينه تحويله إلى منطقة تجارية حرّة، وأعفت البضائع من الرسوم والضرائب، وسمحت للشركات الخاصة بأن تعمل في الإقليم من دون قيود، بينما كان هذا الأمر ممنوعاً في الإتحاد السوفياتي السابق، الذي كان يتألف من 13 دولة، لكون الإتحاد اعتمد على النظام "الشيوعي" الذي منع ملكية وسائل الإنتاج على الأفراد، وحصرها بالقطاع العام الذي تشرف عليه الدولة المركزية بالكامل.
منذ أكثر من عام تحوَّل إقليم كالينينغراد إلى قاعدة عسكرية روسية بامتياز. ونقلت روسيا إليه أحدث الأسلحة والصواريخ المتطورة التي تحمل رؤوساً نووية، وجعلته مقراً لأسطول البلطيق العسكري الروسي، وقد هدّدت روسيا وحليفتها المجاورة بيلاروسيا، بعزل دول لاتفيا واستونيا وليتوانيا عن أوروبا، بعد أن حاولت ليتوانيا منع مرور القوافل الروسية المحمّلة بمواد تخضع لعقوبات أوروبية، عبر أراضيها إلى الإقليم، العام الماضي، وذلك من خلال قطع بيلاروسيا للطرق التي تمرّ عبر معبر "سوالكي" الذي يُعتبر أراضي بيلاروسية.
تؤشِّر المناورات المتقابلة التي يقيمها حلف الناتو من جهة وروسيا ومن جهة ثانية في بحر البلطيق مقابل كالينينغراد، إلى توترات خطرة، قد تتطور على خلفية حماوة الحرب المستعرة في أوكرانيا. فروسيا أقامت مناورات واسعة لأسطولها في بحر البلطيق بدأت في الخامس من حزيران (يونيو) 2023، وشاركت فيها وحدات صاروخية وطائرات حربية متواجدة على أرض كالينينغراد، بينما نظَّم حلف ناتو مناورة مشابهة، شاركت فيها فنلندا للمرّة الأولى، وهي مشاركة لها دلالاتها الواسعة، نظراً لمجاورة فنلندا لروسيا عبر حدود طويلة. وقد استخدم حلف ناتو في مناوراته أكثر من 50 طائرة مقاتلة و50 سفينة، وشارك فيها ما يزيد عن 6000 ضابط وجندي، كما أنّ الحلف يتحضَّر لمناورات كبيرة في المانيا.
قائد إسطول البلطيق الروسي الأميرال فلاديمير فوروبيوف قال: "إنّ هدف مناورات قواته وضع خطّة لحماية كالينينغراد من أي هجوم خارجي"، فيما أعلن الأمين العام لحلف الأطلسي ينس ستولتنبرغ، أنّ مناورات الحلف تستهدف الدفاع عن أمن دول الحلف في المنطقة، لاسيما الذين انضموا إليه حديثاً، أي السويد وفنلندا. وقال ستولتنبرغ، إنّ الحلف سيحشد قوات متعددة الجنسيات في تشيكيا، للمساعدة في حال حدوث ما يمكن أن يُهدّد الأمن في أوروبا.
تأتي هذه المناورات بالتزامن مع تفاقُم الحرب في أوكرانيا، وقد وصل التوتر إلى مستويات غير مسبوقة بعد عملية التفجير التي استهدفت سدّ نوفا كاخوفكا المائي في جنوب أوكرانيا، وهو عمل في منتهى الخطورة، نظراً للأضرار التي ألحقها بمحيط الممرات التي تسرّبت منها كميات المياه الهائلة، لاسيما في مدينة خيرسون، ولأنّ الحدث قد يكون مرتبطاً بإحداث أزمة غذاء جديدة، لأنّ زراعة القمح ستتأثر بهذا الحدث، وقد يتراجع المنتوج الذي يُصدَّر إلى الخارج، ما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار المادة الغذائية الحيوية في العالم. وقد تبادل الطرفان الروسي والأوكراني الاتهامات حول المسؤولية عن تفجير السد. وبينما تعتبر أوكرانيا أنّ روسيا فجَّرت السد الذي يروي مساحات زراعية شاسعة، لإحداث أزمة غذاء جديدة، تعتبر روسيا أنّ "العصابات الأوكرانية" قصفت بالصواريخ حاجز السدّ، لمنع تغذية جزيرة القرم بالمياه العذبة.
بعد ما يقارب 16 شهراً على اندلاع الحرب في أوكرانيا، تتوضح الصورة أكثر فأكثر، ويتزايد احتمال اندلاع حرب واسعة بين القوى الكبرى، وترتسم ملامح اصطفافات عسكرية عمودية، ذلك أنّ ما يجري من تدريبات في أقصى الشرق بين وحدات عسكرية صينية وروسية مشتركة، لاسيما في بحر الصين الجنوبي وفي بحر اليابان، ليس منفصلاً عمّا يجري في أوروبا.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض