من الملك فاروق إلى الرئيس السيسي... مذكرات يهودي مصري
لم يهدأ الوسط الثقافي المصري، منذ خروج مذكرات اليهودي المصري الراحل ألبير آريه،(1930-2022)، أحد رموز الجيل الثاني في الحركة الشيوعية المصرية عبر تاريخها الحديث، وشاهد العيان على الكثير من أحداثها وأزماتها السياسية والاجتماعية منذ الملك فاروق،مروراً بمرحلة الرئيس جمال عبد الناصر، والرئيس السادات، فضلاً عن مرحلة الرئيس مبارك وإزاحته عن الحكم، وصعود جماعة الإخوان المسلمين إلى المشهد السياسي والسلطة، انتهاءً بمرحلة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وثورة 30 حزيران (يونيو) 2013.
لم يهدأ الوسط الثقافي المصري، منذ خروج مذكرات اليهودي المصري الراحل ألبير آريه، (1930-2022)، أحد رموز الجيل الثاني في الحركة الشيوعية المصرية عبر تاريخها الحديث، وشاهد العيان على الكثير من أحداثها وأزماتها السياسية والاجتماعية منذ الملك فاروق، مروراً بمرحلة الرئيس جمال عبد الناصر، والرئيس السادات، فضلاً عن مرحلة الرئيس مبارك وإزاحته عن الحكم، وصعود جماعة "الإخوان المسلمين" إلى المشهد السياسي والسلطة، انتهاءً بمرحلة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وثورة 30 حزيران (يونيو) 2013.
أحدثت مذكرات ألبير آريه، الصادرة في 400 صفحة عن "دار الشروق" المصرية، نوعاً من النزاع على خلفية حقوق الملكية الفكرية جيل المذكرات وتحريرها، ما اعتبرته الكاتبة الصحافية هند مختار، تهميشاً وسطواً على مجهودها من الكاتبة منى أنيس، المكلفة من "دار الشروق"، ومن أسرة المناضل اليساري، بإعادة الصوغ والتحرير، والاكتفاء بوصفها على الترويسة الداخلية للكتاب بأنها "مفرّغة التسجيلات".
ربما تنتقل الخلافات من التراشق بالبيانات الهجائية عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة القضاء، وفقاً لقريبين من أطراف النزاع، بعد فشل الحلول الودية، في ظل تسجيل هند مختار حقوق الملكية الفكرية لنسخة المذكرات المحررة قبل تسليمها إلى الورثة في 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 2021، في مصلحة التوثيق التابعة لوزارة العدل المصرية، فضلاً عن دخول "دار الطناني" للطباعة والنشر، كطرف في الواقعة، ووجود تكتلات من جماعات الوسط الثقافي المصري، داعمة لمواقف الأطراف المختلفة خلال هذه الأزمة التي أسقطت النقاب عن تحيزات النخبة الفكرية والسياسية في القاهرة.
مذكرات ألبير آريه، الذي وافته المنية في نيسان (أبريل) 2021، تمثل وثيقة تاريخية عن الحركة الشيوعية في القاهرة، لا سيما في ظل تمتعه بذاكرة قوية مكنته من تسجيل الكثير من التفاصيل الدقيقة المرتبطة بمراحل صعود الحركة الشيوعية وهبوطها وقادتها عبر عصور متعاقبة، فضلاً عن دور اليهود المصريين في مناهضة الحركة الصهيونية، ودعم الحركات الاجتجاجية العربية والأفريقية ضد الاستعمار.
رسمت مذكرات ألبير آريه، لوحة سريالية عن الحالة السياسية والثقافية والاجتماعية والعمرانية في العمق المصري على مدار أكثر من 90 عاماً، كانت القاهرة خلالها ملتقى للعديد من الجاليات الأجنبية والشعوب العربية، وحاضرة بقوة في القرارات والإشكاليات الإقليمية والمصيرية.
أكد ألبير آريه، في مذكراته، أن قيادات الحركة الشيوعية المصرية المعروفين بـ"مجموعة روما"، حصلوا بفضل علاقتهم بدوائر صنع القرار في الخارج على "خطة العدوان الثلاثي على مصر" عام 1956، عن طريق جويس بلاو، وأن الخطة وصلت الى القاهرة من طرق اليهودي المصري، هنري كوريل، وسلمت الى ثروت عكاشة، وزير الثقافة في عهد عبد الناصر، وتضمنت تفاصيل الفرق العسكرية الموجودة في قبرص وعددها ومواعيد تحركتها، لكن تم تجاهلها تماماً من قبل القيادة السياسية حينها.
قام ألبير آريه بدور المترجم للجانب المصري في الكثير من اللقاءات الخارجية مع الشخصيات الأوروبية والإسرائيلية المعاضة للحركة الصهيونية والداعية الى السلام، لا سيما اللقاءات التي أشرف على ترتيبها اليهودي المصري هنري كوريل مؤسس "الحركة المصرية للتحرر الوطني" (حمتو) في القاهرة، و"مؤسسة التضامن" المناهضة للاستعمار، والذي لعب دوراً كبيراً في عودة العلاقات بين مصر وفرنسا، بتكليف مباشر من الرئيس جمال عبد الناصر، عبر وساطة من أحمد حمرش، أحد الضباط الأحرار وأبرز مؤرخي ثورة 23 تموز (يوليو).
لعب هنري كوريل -وفقاً لمذكرات ألبير آريه- دوراً في دعم منظمة التحرير الفلسطينية، وترتيب لقاءات لممثلين بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، والتي عرفت بـ"لقاءات باريس"، وساهم مع مجموعة "جينسون"، في مساندة "جبهة التحرير الوطني الجزائرية" خلال حرب استقلال الجزائر (1945-1962)، وألقت القبض عليه الاستخبارات الفرنسية في 1960، وتم اغتياله في باريس في 4 أيار (مايو) 1978، على أيدي منظمات يمينية مجهولة، وما زلت قضية اغتياله مفتوحة حتى هذه اللحظة أمام جهات التحقيق الفرنسية، وقد ألف الصحافي الفرنسي جيل بيرّو، كتاباً عن حياة كوريل، ترجمه الى العربية،كميل داغر، تحت عنوان "رجل من طراز فريد".
ذكر أليبر آريه أن خالد محيي الدين، عضو مجلس قيادة ثورة 23 تموز (يوليو)، ومؤسس "حزب التجمع"، ترك مسودة مذكراته الشخصية المعروفة بـ"الكراسة الزرقاء" لدى اليهودي المصري واليساري هنري كوريل، وتم اخفاؤها ضمن وثائق الحركة الشيوعية في أحد أحياء باريس، الى حين نشرها في الوقت المناسب، وذلك خشية العثور عليها في منزله من قبل الأجهزة الأمنية لنظام الرئيس عبد الناصر، وأن أحد القساوسة البروتستانت، تولى إحضارها الى القاهرة خلال عقد أحد المؤتمرات الدولية، والتي نشرت في ما بعد تحت عنوان "الآن أتكلم" في آب (أغسطس) 1992.
تطرق ألبير آريه في مذكراته إلى رحلته بين السجون المصرية من عام 1953 حتى عام 1964 بتهمة الانتماء الى الحركة الشيوعية، ملقياً الضوء على مواقف قيادات جماعة "الإخوان المسلمين" داخل السجون تجاه الأحداث السياسية، واعتدائهم بالضرب على مخالفيهم، مبرزاً صراعاتهم وانشقاقاتهم في ما بينهم داخل السجون، حول مواقفهم من قرارات "تأميم قناة السويس"، ومن تأييد الرئيس عبد الناصر وتخطيطهم لاغتياله على أيدي مجموعة هنداوي دوير، فضلاً عن ترحيبهم الشديد بالعدوان الثلاثي على مصر، ومعلقاً كذلك على اتصالهم وتضامنهم مع عناصر صهيونية متورطة في قضية التجسس المعروفة إعلامياً بـ"فضيحة لافون"، داخل السجن، وعلى رأسهم مهدي عاكف المرشد السابع للجماعة، وكيفية تحريمهم للإضراب عن الطعام في محاولة توظيفه أداة ضغط اعتراضية على المعاملة القاسية داخل السجون، وفقاً لفتوى أصدرها الى قواعدهم التنظيمية، الشيخ أحمد شريت عضو مكتب الإرشاد، وأحد قيادات الرعيل الأول للجماعة، فضلاً عن سعيهم في استقطاب السجناء السياسيين والجنائيين إلى مشروعهم الفكري والسياسي في تلك المرحلة الزمنية من تاريخ الدولة المصرية.
رغم انتمائه الى الطائفة اليهودية، فإن ألبير آريه، لم يتطرق نهائياً في مذكراته الى الجانب الديني، مقدماً مصريته وعلمانيته على الإطار الأيديولوجي العقائدي، ومكتفياً بتوثيق توجهاته ومشروعه السياسي، ورسم روابط علاقته بقيادات الحركة الشيوعية، أمثال رفعت السعيد، ومحمود توفيق، وفؤاد حداد، وشريف حتاته زوج الدكتوراة نوال السعداوي، وسعد كامل، ومحمد يوسف الجندي، وحليم طوسون، وصلاح الدين حافظ، واسماعيل صبري عبدالله، وخالد محيي الدين، وفؤاد حبشي، وزكي مراد، وهنري كوريل، والدكتور صفوت العالم، وفؤاد مرسي، ومحمود السعدني، ولويس عوض، وغيرهم.
أشهر ألبير آريه إسلامه عام 1965 معلناً الزواج من الصحافية سهير شفيق، شقيقة الكاتبة اليسارية أمينة شفيق، والتي أنجب منها سامي وهاني، لكنه لم يبتعد من الطائفة اليهودية بمشاكلها وأزماتها، ونشط في الاهتمام بالحفاظ على التراث اليهودي في مصر بكونه جزءاً من التاريخ الثقافي للدولة المصرية، وذلك بحكم علاقته القوية بماجدة هارون، رئيسة الطائفة اليهودية بمصر، وابنة صديقه السياسي اليساري شحاتة هارون، وتولى ابنه سامي حالياً، منصب المدير التنفيذي لجمعية "قطرة اللبن"، المعنية بالإشراف والحفاظ على الممتلكات التاريخية والأثرية للطائفة اليهودية في القاهرة.
مذكرات ألبير آريه، بما تحويه من كواليس الحياة السياسية للنخب الفكرية، تمثل نقطة في بحر التجارب الذاتية، التي تحتاج للمزيد من إلقاء الضوء عليها، لتوثيق المراحل الزمنية والتاريخية للدولة المصرية، من خلال تعدد وجهات النظر التي تعبر عن مختلف الاتجاهات الفكرية والثقافية والسياسية.
نبض