05-04-2023 | 16:12

​ التجارة كرافعة للاقتصاد العالمي

ما يعرف بدعم التجارة الحرة عفا عليه الزمن، إذ يتم اتهامها في الدول الغنية بفقدان الوظائف وتم التخلي عنها تقريبًا من صانعي السياسات. على مدى القرن الماضي، كانت التجارة تتزايد كنسبة مئوية من الاقتصاد العالمي بأكمله، ولكن هذا بلغ ذروته في وقت قريب من الأزمة المالية العالمية، وهو آخذ في الانحدار الآن. هذا صحيح بالنسبة الى لبنان أيضا، حيث انخفضت التجارة بشكل كبير على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية رغم من الانتعاش الأخير عام 2021. وهذا أمر مؤسف لأن ضمان التجارة الحرة تبين أنه أحد أفضل سياسات التنمية في العالم.
​
التجارة كرافعة للاقتصاد العالمي
Smaller Bigger
ما يُعرف بدعم التجارة الحرة عفّى عليه الزمن، إذ يتم اتهامها في الدول الغنية بفقدان الوظائف، وتم التخلي عنها تقريباً من صانعي السياسات. على مدى القرن الماضي، كانت التجارة تتزايد كنسبة مئوية من الاقتصاد العالمي بأكمله، ولكن هذا بلغ ذروته في وقت قريب من الأزمة المالية العالمية، وهو آخذ في الانحدار الآن. هذا صحيح بالنسبة إلى لبنان أيضاً، حيث انخفضت التجارة انخفاضاً كبيراً على مدار الخمسة عشر عاماً الماضية، رغم الانتعاش الأخير عام 2021. وهذا أمر مؤسف لأن ضمان التجارة الحرة تبين أنه إحدى أفضل سياسات التنمية في العالم.
 
من المعروف منذ قرون أن التجارة ترفع الدخل لأنها تسمح للأمة بالتخصص وإنتاج أفضل ما تفعله بفعالية. وجدت إحدى الدراسات أن التجارة تجعلنا جميعاً أكثر ثراءً بنسبة 27%، ما يعني أن بلدان العالم في المتوسط تحصل على دخل أعلى بأكثر من الربع مقارنة بعالم بلا تجارة.
 
التجارة لا ترفع فقط متوسط الدخل، بل تساعد في انتشال فقراء العالم من براثن الفقر المدقع. واحدة من أكثر الدراسات الأكثر شهرة في الآونة الأخيرة، وجدت أن دخل أفقر 20% ينمو بمعدل النمو المتوسط نفسه.
 
لقد رأينا هذا بوضوح في أكبر دولتين في العالم في عدد السكان، الصين والهند. مع ارتفاع تجارة الصين، ارتفعت الدخول بمقدار سبعة أضعاف وانخفض الفقر المدقع اليوم من 28% إلى ما يقرب من الصفر. لقد مرت الهند بمسار مشابه، وإن كان أكثر صمتاً: عندما انخفضت الرسوم الجمركية من 56% عام 1990 إلى 6% عام 2020، ارتفع متوسط الدخل تقريباً أربعة أضعاف وانخفض معدل الفقر المدقع من 22% إلى 1.8%. لقد رأينا مسارات مماثلة لبلدان أخرى سريعة النمو مثل كوريا الجنوبية وتشيلي وفيتنام. حقاً الازدهار الناجم عن التجارة هو أمر مشترك.
 
لا عجب إذاً. إن تحقيق تجارة أكثر حرية هو أحد الوعود التي وقع عليها قادة العالم في ما يسمى بأهداف التنمية المستدامة لعام 2030. للأسف، فشل العالم في الوفاء بهذا الوعد وفي معظم الوعود الأخرى.
والسبب ليس بسر. وعد القادة بكل شيء لكل شخص، وقائمة الوعود تصل إلى 169 هدفاً. وجود 169 أولوية يشبه عدم وجود أي أولوية على الإطلاق. تحتوي القائمة على الكثير من الأهداف الأساسية مثل زيادة التجارة، والقضاء على وفيات الأطفال، وتحسين التعليم، والقضاء على الحرب وتغير المناخ. لكنها في الوقت نفسه تتضمن أهدافاً حسنة النية ولكن أكثر هامشية مثل زيادة إعادة التدوير، والحدائق الحضرية والترويج لأنماط حياة منسجمة مع الطبيعة.
 
لقد وصل العالم هذا العام إلى منتصف الشوط الأول لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، لكننا ما زلنا في منتصف الطريق. من الواضح أن العالم لا يستطيع فعل كل شيء، لذا فقد حان الوقت لتحديد أهم الوعود وترتيبها بحسب الأولوية. إن مركز الأبحاث الخاص بي، إجماع كوبنهاغن، يقوم بذلك بالضبط: جنباً إلى جنب مع العديد من الحاصلين على جائزة نوبل وأكثر من مئة من الاقتصاديين البارزين، كنا نعمل منذ سنوات لتحديد المكان الذي يمكن أن يحقق فيه كل جنيه أفضل فائدة.
 
يوضح بحثٌ جديدٌ خاضعٌ لمراجعة الأقران سبب وجوب وضع المزيد من التجارة على رأس الأجندة العالمية. يأخذ البحث في الاعتبار مشكلات فقدان الوظائف التي سلط عليها الضوء سياسيو العالم الغني. وهي تحدد مقدار التكلفة الإضافية التي تفرضها التجارة الحرة على هؤلاء العمال من خلال فقدان وظائفهم، أو حاجتهم إلى تحديث مهاراتهم (غالباً إلى وظائف ذات رواتب أقل)، أو مغادرة سوق العمل تماماً.
 
لكن الدراسة تكشف أيضاً عن مزايا المزيد من التجارة، مثل الدخل المرتفع وما يترتب على ذلك من تحسينات لفقراء العالم. هذا يجعل من الممكن بالنسبة إلينا أن نوازن كلاً من تكاليف التجارة الأكثر حرية وفوائدها. هذه الدراسة رائدة، لأنها تقدم المحاولة الأولى على الإطلاق لتحديد التكاليف والفوائد، ليس فقط على المستوى العالمي، ولكن للأثرياء والفقراء في العالم.
 
يوضح النموذج الاقتصادي أنه إذا قمنا بزيادة التجارة العالمية بنسبة خمسة في المئة، فإن التكلفة الحالية لجميع العمال في جميع أنحاء العالم في المستقبل ستكون تريليون دولار. هذه التكلفة تبرر بالتأكيد قلق السياسيين الشعبويين. ومع ذلك، تبين أن الفوائد التي تعود على البشرية تبلغ 11 تريليون دولار، ما يجعلها صفقة جيدة جداً للعالم.
 
يجب أن تساعد الحكومات في جميع أنحاء العالم الأشخاص المتضررين من التجارة الحرة، ولكن الفائض الكبير من التجارة الحرة لا يوفر فقط قدراً من المال للقيام بذلك، ولكنه يوفر أيضاً فرصة تنمية هائلة لزيادة الدخل وانتشال الناس من الفقر.
 
يُظهر النموذج الجديد أيضاً الجهة التي تتحمل التكاليف، ويوضح سبب تباطؤ الدول الغنية في التجارة. لأن الدول الغنية تشكل الجزء الأكبر من الاقتصاد العالمي، فإنها تكسب 60% من 11 تريليون دولار. لكنهم يتحملون أكثر من 90% من التكاليف. فيما هذا يبرر بعض المخاوف السياسية، فإنه يغفل الصورة الأكبر: الدول الغنية تكسب 7 دولارات مقابل كل دولار من التكاليف.
 
وهي تتجاهل تماماً أن التجارة فرصة عظيمة للنصف الأفقر من العالم. تكاليفها ضئيلة للغاية عند 15 مليار دولار، لكن الفوائد تتجاوز بكثير تريليون دولار. مقابل كل دولار يخسره الاقتصاديون، يجد الاقتصاديون 95 دولاراً من الفوائد الطويلة الأجل، ما يؤدي إلى زيادة الدخل وتقليص الفقر.
 
إذا كنا جادين في تحسين العالم، فلا يمكننا أن نعد بكل شيء. يتعين علينا تنفيذ أكثر السياسات كفاءة أولاً، وتبين أن المزيد من التجارة هي واحدة من أكثر الطرق المدهشة لتوفير حياة ودخل أفضل.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية