17-03-2023 | 05:20

ما هي آثار التقارب بين السعودية وإيران على إسرائيل؟

في حين كنا نشهد على موجة من الأخبار المتعلقة بالسعودية منذ يوم الجمعة الماضي، مرّ خبر "حصري" غريب نشرته إثنتان من وسائل الإعلام الأميركية حول "الثمن" الذي تطالب به المملكة لقاء تطبيع علاقتها بإسرائيل من دون أن يلاحظه أحد. ومن غير المستغرب أن يكون الاتفاق الذي أُبرم بين السعودية وإيران، بوساطة صينية، قد غطّى على ذلك "السبق" المفترض — وأنا استخدم مصطلح "سبق" هذا بشكل فضفاض هنا.
ما هي آثار التقارب بين السعودية وإيران على إسرائيل؟
Smaller Bigger
في حين كنا نشهد على موجة من الأخبار المتعلقة بالسعودية منذ يوم الجمعة الماضي، مرّ خبر "حصري" غريب نشرته إثنتان من وسائل الإعلام الأميركية حول "الثمن" الذي تطالب به المملكة لقاء تطبيع علاقتها بإسرائيل من دون أن يلاحظه أحد. ومن غير المستغرب أن يكون الاتفاق الذي أُبرم بين السعودية وإيران، بوساطة صينية، قد غطّى على ذلك "السبق" المفترض - وأنا استخدم مصطلح "سبق" هذا بشكل فضفاض هنا.

لا يُشكّل هذا "السبق" خبراً فعلياً كونه لم يُقدّم أي جديد. ولعلّ الوصف الأدق يشير إليه على أنه أفكار تمت مناقشتها منذ عهد الرئيس دونالد ترامب، الذي قاد كبير مستشاريه وصهره جاريد كوشنر جهوداً بهدف حلّ النزاع بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وقد أكّد أحد كبار المسؤولين السعوديين لصحيفة "عرب نيوز" أن التسريب الأخير لهذه الشروط الى الصحف الأميركية لم يكن مصدره المملكة، ما قد يعني - حكماً - أن أحد كبار المستشارين الأميركيين، الذين تجمعهم علاقات بإسرائيل أو يشغلون مناصب ذات صلة بالأمن القومي، يقف وراءه.

لكن وكما ذكرت، لا شيء جديداً هنا. فقد سبق واطّلعت شخصياً على بعض هذه "الشروط" السعودية خلال اجتماع رفيع المستوى عقد العام الماضي، اذ أشار مسؤول سعودي كبير بوضوح إلى أنه لا يمكن مناقشتها إلا بعد التوصّل لحلّ يحفظ حقوق الفلسطينيين – ولطالما كان هذا الشرط الأوّل بالنسبة الى السعودية.
 
 
يكمن الهدف في أن تتلقّى المملكة، من حيث الحقوق والامتيازات، المُعاملة نفسها التي تتلقاها بعض الدول التي وقّعت معاهدات سلام مع إسرائيل. ويمكن مناقشة القضايا الأخرى، مثل الحق في الاستخدام السلمي لليورانيوم والانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) بشكل أو آخر واعتبار المملكة حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة، بعد التوصّل إلى حلّ للقضية الفلسطينية.

وبالإضافة إلى ذلك، لو أرهق محررو صحيفتي "وول ستريت جورنال" و"نيويورك تايمز" الأميركيتين اللتين نشرتا هذا الخبر أنفسهم بعض الشيء وأجروا بحثاً بسيطاً عبر محرك غوغل، لاكتشفوا أن "خبرهم الحصري" سبق أن نُشر عبر قناة "آي 24" في إسرائيل في شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي وفي صحيفة "جيروزاليم بوست" في شهر كانون الثاني (يناير).
وبطبيعة الحال، جاءت هذه القصص في الوقت المناسب حينها بالنسبة الى وسائل الإعلام الإسرائيلية، اذ كان قد أُعيد انتخاب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حديثاً، بعد أن ركّز خلال حملته الانتخابية، على وضع مسألة تطبيع العلاقات مع السعودية على قائمة أولوياته. وبالطبع – بحسب ما أخبرني به مسؤول سعودي كبير آنذاك – كان هذا الجزء في خطاب نتنياهو مُخصّصاً للحملات الانتخابية الداخلية والإستهلاك المحلي في إسرائيل. وقد عمد نتنياهو أيضاً إلى إثارة هذه المسألة في مقابلة أجراها مع "قناة العربية" السعودية في شهر كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي. وتداول بعض محبي رئيس الوزراء الإسرائيلي ظهوره هذا، واصفين إياه بالأول من نوعه (رغم أنه لم يكن كذلك، اذ سبق له أن أجرى مقابلةً مع "قناة العربية" في شهر آب/ أغسطس).
 
لماذا أكتب عن هذا الموضوع إن لم يكن هناك من جديد؟ أقوم بذلك لسببين. أولاً، لأن الاتفاق الذي أُبرم مع إيران (إذا افترضنا أن النظام في طهران سيحترم التزاماته) أعطى أهميةً جديدةً للعلاقات بين السعودية وإسرائيل. وثانياً، لوجوب مناقشة شروط السعودية، اذ يُعدّ هذان السببان متداخلين.

اعتبر البعض أن الاتفاق مع إيران يُضرّ بتطبيع العلاقات المُحتمل بين السعودية وإسرائيل، محمّلين إدارة بايدن مسؤولية إقصاء المملكة لدرجة أنها اختارت الصين كوسيط. ويُعدّ هذا الرأي صحيحاً جزئياً، لا كلياً. فقد تم اختيار الصين لمجرّد أن بكين قادرة على الضغط على إيران، ولا دخل لذلك بالعلاقات بالولايات المتحدة. وعلاوة على ذلك، صرّح البيت الأبيض قائلاً إنه كان على علم بالمحادثات، كما رحّب وزير الخارجية أنتوني بلينكن بالاتفاق.

وبالطبع، قد يُقال إنه إذا ما احترمت طهران التزاماتها من الآن فصاعداً، ستخسر إسرائيل قدرتها على استخدام الورقة المهمة التي تعتبر أن "عدو عدوي هو صديقي"، إلّا أنني أعتقد أن هذه الورقة لم تكن مستدامةً أبداً لأنها تعتمد على الكثير من المتغيرات.

أما الورقة التي تُعتبر مستدامةً فهي تلك التي اعتمدتها السعودية منذ عقود مع دفعها إسرائيل باتجاه التوصّل إلى حلّ عادل ومُنصف للمعاناة التي يعيشها الفلسطينيون. فقد مرّت عقود والمملكة تقول إنها ترى الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين على أنه خلاف على الأرض، لا حرباً أيديولوجية. ونحن - في المملكة العربية السعودية - لا نرغب برمي اليهود في البحر وإزالة دولة إسرائيل من الوجود، على عكس كلام الإيرانيين ووكلائهم. وفي الوقت نفسه، غني عن القول إن التوصّل إلى حلّ عادل يتطلب وجود قيادة فلسطينية جريئة وقادرة، إلى جانب الإقرار بأنهم (الفلسطينيون) اكتسبوا سمعة "عدم تفويت فرصة لتفويت فرصة". 

وفي المقابل، تمادت حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة الجديدة في قمع الفلسطينيين وترهيبهم. وقد دان هذه السياسات أقرب حلفائهم في واشنطن وأعضاء من الجالية اليهودية في أميركا وحتّى مواطنيهم الذين نزلوا إلى الشوارع للاحتجاج عليها. كما أحرجت التصرفات الإسرائيلية الأطراف الموقّعة على اتفاقات السلام الإبراهيمية، اذ دانت الإمارات العربية المتحدة مثلاً العدوان الإسرائيلي الذي طاول مسجد الأقصى ومخيم جنين للاجئين، ما يدفع الدول الأخرى إلى التفكير ملياً قبل اتباع المسار نفسه مع إسرائيل.
 
أما بالنسبة الى الشروط السعودية المفترضة الأخرى، فأرى أنها ستكون نتيجةً طبيعيةً لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. ففي طبيعة الحال، لن يكون لدى أي أحد مخاوف من استفادة السعودية من احتياطيات اليورانيوم التي لديها. وفي ما خصّ الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) بشكل أو آخر، فأعتقد أن القضية أكبر من ذلك وهي ترتبط بالسياسات المتقلّبة للولايات المتحدة. ومن جهة أخرى، يقدّم المسؤولون الأميركيون تطمينات شفوية متكررة حول التزامهم أمن المملكة، إلّا أنهم يرفضون تدوين هذا الالتزام أو وضعه في إطار رسمي.

ولا تزال المملكة تذكر الإجراءات الأميركية الأخيرة التي دقت ناقوس الخطر خلال العامين الماضيين،  فقد أزالت الولايات المتحدة جماعة الحوثي عن لائحة الإرهاب وسحبت بطاريات صواريخ الباتريوت من المملكة، في حين كان المدنيون السعوديون يتعرضون للهجوم.

وعندما تحرم إدارة الرئيس بايدن المملكة من وسائل تسمح لها بالدفاع عن نفسها وترفض الالتزام بضمان أمن السعودية خطياً (في الوقت الذي تعي فيه جيداً أن التزاماً كهذا يصبّ في مصلحتها) وتتفاوض مع إيران بشأن جميع المسائل باستثناء أمن حلفائها، لا يمكن لوم الرياض لأنها بحثت عن طرق بديلة للدفاع عن شعبها، مثل الموافقة على عرض الصين لأداء دور الوسيط.

وفي الوقت نفسه، تُعتبر إسرائيل ضحية الأضرار الجانبية الناتجة من توتر العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة والأضرار التي ألحقتها بنفسها بسبب طريقة معاملتها للفلسطينيين. أما الخبر السار فهو أنه، رغم الاتفاق الذي أبرم مع إيران، لا يزال هناك أمل في تطبيع العلاقات بين إسرائيل والمملكة، إلّا أنه يجب على إسرائيل أولاً أن تغير من طباعها تجاه الفلسطينيين وتستلهم من مقولة وردت في العهد القديم، حيث قيل "أحب جارك كما تُحب نفسك".

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية