متلازمة مريم نور
نحن دائما على بعد بحث واحد فقط في "غوغل" من أن نجد خبير تغذية "يحرّم" علينا طعاما جديدا. والرقعة ما انفكت تتسع مثل ثقب الأوزون، فالقمح، والحليب، والسكر، التحقت بأشقائها اللحم الأحمر، والبطاطس، والجبنة، والبيض، والقهوة، والزيوت، وغيرها، حتى لم أعد أستبعد أن يصل الدور إلى الماء، ونقرر الاكتفاء بالرطوبة في الهواء!
قبل 20 عاماً، أكاد أجزم بأن الدكتورة مريم نور مثّلت ظاهرة استثنائية بالنسبة إلى أغلب المتابعين في العالم العربي، فهي وحدها من كانت تتخذ موقفاً حاداً، وربما متطرفاً، من بعض الأطعمة أو المكونات الغذائية. هي وحدها من كانت تنهانا عن أن نقرب القمح، وتعلن الحرب ضد الخبز، فهو بالنسبة إليها ممنوعٌ كيفما صُنع وأينما كان.
بصراحة بالغة، كنت في صغري أعتبر مريم نور "غريبة الأطوار"، وأذكر كيف ضحكت ملء شدقي حينما قام برنامج كوميدي خليجي بتقليدها، والسخرية من مواعظها.
ليتني علمت بأنه سيأتي علينا زمن تصبح فيه كلمة "غلوتين"، وهو البروتين الموجود في القمح، لفظة بذيئة يسد الآباء آذان أطفالهم عنها، ويستغفر الملتزمون بالحميات الغذائية، متجاوزين بذلك حتى أكثر مونولوغات مريم نور راديكالية.
فما أسهل أن نناصب طعاماً، أو مكوناً غذائياً، العداء في وقتنا الحالي، بل أن نشيطنه، ونعتبره شراً مطلقاً، ولا نتسامح مع استهلاكه بأي شكلٍ من الأشكال، تماماً كما تفعل حمية "الكيتو" في نظرتها إلى السكر، فهي تجرّمه حتى حينما يحضر بصورة طبيعية في الفواكه، مثل المانغو والموز. ما أسهل أن نضع على أي نوعٍ من الطعام وسم "غير صالح للاستهلاك البشري"، ونقرر أنه مرفوضٌ في حد ذاته، من دون أي اعتبارات أخرى تتعلق بطريقة تحضيره، أو بالكميات المستهلكة منه.
ولأن التطرف لا حدود له، فغالباً ما ترتبط التحذيرات بنظريات المؤامرة. من قرروا أخيراً أن الحليب البقري – مثلاً - أقرب إلى السم، وغير مناسب للجميع وليس فقط للمصابين بالحساسية من اللاكتوز، يروجون أيضاً لسردية تقول بأن ملّاك مصانع الألبان هم من يقفون خلف "التصورات الخاطئة" عن أن الحليب يساعد على النمو، ويقوي العظام والأسنان.
نحن دائماً على بعد بحث واحد فقط في "غوغل" من أن نجد خبير تغذية "يحرّم" علينا طعاماً جديداً. والرقعة ما انفكت تتسع مثل ثقب الأوزون، فالقمح، والحليب، والسكر، التحقت بأشقائها اللحم الأحمر، والبطاطس، والجبنة، والبيض، والقهوة، والزيوت، وغيرها، حتى لم أعد أستبعد أن يصل الدور إلى الماء، ونقرر الاكتفاء بالرطوبة في الهواء!
إنها "متلازمة مريم نور"، كما أحب أن ألقبها.
وبينما أود أن يتبنى كل منا أسلوب الحياة الأكثر إقناعاً بالنسبة إليه، فقد أرّقني السؤال عن النتيجة النهائية لهذا "التطرف" الملحوظ في التعاطي مع الطعام من حولنا. كيف لنا أن نحقق الاتزان، والرضا عن الذات، إن كانت قطعة تافهة من البسكويت قادرة على إخراجنا كلياً من خطنا المستقيم بإفراط، والذي لا يتناسب والطبيعة البشرية؟ وكيف نهنأ بالعيش إن كنا نتصوّر أن كل هذه المكونات الغذائية أخطار تنبت من التربة، أو تتدلى من الأغصان، لتتربص بنا؟
بل ماذا لو كنا مخطئين بشأن كل شيء، مثل قدامى الأوروبيين حين اتهموا الطماطم بالسميّة؟ من يعوضنا حينها عن الحرمان والتوجس؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض