27-03-2024 | 05:30

الثّقافة في تونس ليست حديقة سريّة للنّخبة

أرقام غريبة و مثيرة أوردتها مؤسسة تونسية لاستطلاعات الرأي الأسبوع الماضي حول السلوكيات الثقافية في البلاد.
الثّقافة في تونس ليست حديقة سريّة للنّخبة
Smaller Bigger
أرقام غريبة ومثيرة أوردتها مؤسسة تونسية لاستطلاعات الرأي الأسبوع الماضي حول السلوكيات الثقافية في البلاد.
 
يبدو الوضع قبل كل شيء، على الأقل في جانب منه، امتداداً لحالة العزوف عن الشأن العام وعن أي أنشطة تخرج عن نطاق العادات الاستهلاكية أو سعي الأفراد لتحسين ظروفهم المعيشية.
 
الكل كان يعرف قبل هذا الاستطلاع الأخير لمؤسسة إمرود كونسلتينج أن هناك ميلاً عاماً لدى التونسيين، وخاصة منهم الشباب، نحو عدم المشاركة في أنشطة المجتمع المدني بكل تجلياتها، بعدما سبق أن هجروا منذ زمان معظم الأحزاب السياسية.
 
لكن لم تكن هناك قبل الآن معطيات دقيقة تدل إلى أن الظاهرة تحولت إلى هذا المستوى من الحدة في الحقل الثقافي.
 
تقول نتائج الاستطلاع إن 94 في المئة من التونسيين غير منخرطين في أي جمعية أو نادٍ ثقافي، وإن 90 في المئة منهم لم يمارسوا نشاطاً ثقافياً واحداً، سواء كان عزفاً أو رقصاً أو رسماً أو كتابة أو تمثيلاً، خلال الأشهر الاثني عشر الماضية.
 
الأغلبية لم يزوروا متحفاً أو موقعاً أثرياً خلال الفترة نفسها.
 
واقع محبط ومخجل في بلاد تزخر بالمواقع الأثرية والمتاحف التي يقصدها الزائرون بشغف من كل أنحاء العالم، في الوقت الذي لا يدفع فيه الفضول سوى أعداد قليلة من التونسيين إلى الاطلاع على كنوز بلادهم الحضارية.
 
تعترف الأغلبية من المُستطلعين بأنها لم تحضر تظاهرة فنية أو عرضاً سينمائياً أو مسرحياً أو موسيقياً خلال سنة كاملة.
 
كما أن 82 في المئة لم يقرؤوا ولو كتاباً واحداً خلال عام كامل.
 
يميل الكثير من المحللين في تفسيرهم لحالة العزوف هذه عن الثقافة والفن إلى القول إن التونسي مشغول بحياته اليومية والصعوبات الاقتصادية التي تواجهه. ويقول هؤلاء إنه بسبب ذلك لم تعد للأغلبية الإمكانات المادية للاهتمام بالفعاليات الثقافية.
 
الأوضاع المعيشية للكثيرين، صعبة، لكنني لا أعتقد أن العامل الاقتصادي كافٍ وحده لتبرير هذا العزوف الثقافي في مجتمع ما زال الكثيرون يستطيعون فيه الإنفاق من دون حساب على أنشطة أخرى غير ضرورية، إضافة إلى أن العديد من الأنشطة متوفرة مجاناً للجميع.
 
والأهم من ذلك أن التونسيين لديهم من الانفتاح الذهني على الفن والثقافة في كل الحالات والظروف ما يجعل هذا التبرير غير مقنع.
 
هناك في الواقع جملة من الحلقات المفقودة تبدو مسؤولة عن هذا الوضع. أولاها المؤسسات التعليمية التي لم تنجح في تأهيل الأجيال المتتالية منذ الاستقلال للمشاركة في النشاطات الثقافية والفنية أو الاهتمام بالمعالم الأثرية للبلاد ومتاحفها.
 
لا تدرّب المدارس التونسية، مثلاً، تلاميذها على العزف الموسيقي، بعكس المدارس في البلدان المتقدمة. في ظل هذا الواقع لا يمكنك أن تستغرب ما يظهره الاستطلاع من أن 78 في المئة من التونسيين لا يمتلكون آلات موسيقية في بيوتهم.
 
إضافة إلى ذلك، فإن المواد الثقافية والفنية مهمشة تماماً في المناهج الدراسية، إن لم تكن محل استخفاف من التلاميذ وأوليائهم على حد سواء. لذلك فمن من شاء اليوم أن يعلّم أبناءه أصول الموسيقى أو الرقص أو أي تعابير فنية أخرى فهو مضطر أن يسجلهم في المراكز الخاصة، ما يجعل تعلم البعض الفنون حكراً على شرائح محدودة من المجتمع تنتمي عادة للطبقات الميسورة.
 
الحلقة الأخرى المفقودة تتمثل في غياب دور فاعل ونشيط للمجتمع المدني. من المفروض أن توفر المدارس والمعاهد أنشطة للنوادي والجمعيات ترتادها الناشئة بصفة اختيارية بعد انتهاء الدروس وتتدرب من خلالها على الأنشطة الثقافية خارج المدرسة. لكن الحال غير ذلك، إذ ترى المؤسسات التعليمية في الجمعيات الثقافية ترفاً لا يرتقي لأولوياتها.
 
هناك خارج المدرسة الكثير من الجمعيات العاملة في المجال الثقافي. لها برامجها وفضاءاتها. لكنها جمعيات عاجزة في معظم الحالات عن احتضان المواهب الفنية وتشجيعها، وذلك أساساً بسبب قلة مواردها المالية.
 
وسوف يظل الوضع كذلك ما دامت الموازنات الحكومية المخصصة للثقافة تتذيل المخصصات المالية للدولة، وما دام رجال الأعمال عموماً غير متحمسين لتبني مثل هذه الجمعيات وتمويل أنشطتها.
 
في العالم المتقدم هناك عادة ترسانة من الحوافز الضرائبية تمنحها الدولة لرجال الأعمال لتشجيعهم على تمويل الأنشطة الثقافية كجزء من مسؤوليتهم إزاء بقية المجتمع.
 
ذلك ليست الحال عندنا إلا في بعض الاستثناءات. تجدر الإشارة في هذا المجال إلى تقرير نشرته مؤخراً وكالة الصحافة الفرنسية، أبرزت فيه الدور الثقافي الذي يمكن أن يلعبه القطاع الخاص في تونس عندما تكون لبعض أفراده العزيمة والرؤية البعيدة النظر.
 
تحدث التقرير عن مشروع مشترك ناجح بين رجل أعمال تونسي معروف وعازف بيانو أجنبي تمثل في إنشاء شبكة لنوادي الموسيقى تحت مسمى "تونس 88". احتضنت الشبكة منذ سنة 2017 إلى الآن الآلاف من التلاميذ والتلميذات والمئات من المدارس والمعاهد في كل ربوع تونس، بما فيها المناطق الفقيرة التي يعشش فيها الحرمان واليأس.
 
يمكن أن يشكل المشروع قدوة للكثيرين من رجال الأعمال لو أرادوا تحمل جانب من المسؤولية التي لم تعد الدولة قادرة وحدها على تحملها.
 
انتهى عهد "الدولة المشرفة" انتهاءً شبه حصري على النشاط الثقافي. ولم يعد ارتياد "دور الثقافة" التي أنشأتها الدولة منذ عقود خلت يستهوي الشباب في هذا الوقت.
 
ما زال للدولة طبعاً دور في حماية التراث ومقومات الهوية الثقافية للبلاد والحرص على إشعاعها في الخارج. وما زال لها أيضاً دور أساسي على صعيد إصلاح المناهج التربوية، وذلك من أجل إعادة الاعتبار للفن والثقافة.
 
وليست الأنشطة الثقافية ترفاً، فلها وظيفة اجتماعية أساسية متعددة الأوجه، خاصة في وقت الأزمات.
 
ففي بلاد مثل تونس يعاني 40 في المئة من شبابها البطالة (حسب الأرقام الرسمية)، ويمكن للأنشطة الثقافية أن تساعد في إدماج الشباب في المجتمع وإخراجه من دوامة الفراغ والإحباط.
 
يحتاج التونسيون للأنشطة الثقافية، سواء كمشاركين فيها أو متابعين لها، للتخفيف من ضغوطهم اليومية وتجاوز الهواجس المرتبطة بظروفهم المادية الصعبة.
 
يحتاجونها أيضاً للابتعاد ولو قليلاً عن عادات الغوص في ثنايا "فايسبوك" والجلوس في المقاهي طوال اليوم. عادات لا يمكن أن تكون بديلاً من قراءة كتاب أو رسم لوحة أو التمتع بسماع مقطوعة موسيقية تحملهم إلى عوالم أخرى.
 
وفي إمكان الثقافة أن ترفع منسوب التفاؤل والأمل في بلاد تحتل المرتبة 115 بين سائر البلدان، بحسب النسخة الأخيرة للمؤشر العالمي للسعادة.
 
ويبقى المبدعون وتبقى النخبة القاطرة الحقيقية لمسار الخلق والإبداع.
 
لكن الثقافة لا يمكن أن تبقى شأناً نخبوياً محضاً.
فهي حقل يقطف أزهاره ويستظل بأشجاره كامل أفراد المجتمع، ولا يمكن أن تصبح أبداً حديقة سرية يدخلها فقط البعض من أفراد النخبة وتبقى جدرانها عصية على الآخرين.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية