25-03-2024 | 03:00

أفول النّيوليبراليّة المعولمة

​ على الضد مما كان سائداً منذ التسعينات، بدأ التنافس بين الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، والصين في الجهة المقابلة، يأخذ طابعاً اقتصادياً وتجارياً، يرقى إلى مرحلة الحرب المعلنة، من خلال التشريعات والسياسات الحمائية والعقوبات. وهذا أحد مؤشرات التفكك الذي يعاني منه النظام الدولي.
أفول النّيوليبراليّة المعولمة
Smaller Bigger
يتوجه العالم نحو مرحلة جديدة، لا أحد يعرف طبيعتها. فالنظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، منفردةً، ضمن نموذج الليبرالية الجديدة المعلومة، يتجه نحو التفكك. لم يبدأ ذلك مع الصراعات القائمة اليوم، بل منذ نحو عقد من الزمن، في أعقاب الأزمة المالية العالمية، لكنه يبدو أكثر تسارعاً منذ دخول القوات الروسية إلى أوكرانيا قبل عامين. فهذه الحرب، ليست حرباً من طبيعة الحروب غير المتكافئة نفسها التي تشنها الولايات المتحدة وقوى أخرى، مثل حرب الخليج، أو "الحرب على الإرهاب" أو الحروب في يوغوسلافيا السابقة، في أواخر التسعينات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. إنها أول حرب كبرى على الأراضي الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتمثل بداية تحد مفتوح، بما في ذلك على المستوى العسكري، للنظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة. 
 
لكن الأساسي في هذا التفكك الجيوسياسي، هو بروز قصور الأساس المادي للنظام الدولي ونموذجه الاقتصادي النيوليبرالي. منذ أزمة عام 2008، أصبحت فكرة قدرة البنوك المركزية على قصر نفسها على التدخلات النقدية غير المسيسة موضع شك كامل. فسياسات أسعار الفائدة الصفرية التي اعتُمدت في البلدان المتقدمة في أعقاب الأزمة المالية عام 2008، وقبل ذلك الممارسات غير التقليدية المعروفة باسم "التيسير الكمي"، سمحت لمحافظي البنوك المركزية بالتدخل المباشر داخل الأسواق المالية وتحويلها إلى أسواق سياسية حقيقية. وقد تفاقم هذا التراجع في العولمة النيوليبرالية بسبب جائحة 2020 وكذلك الحروب والتوترات الجيوسياسية التي كشفت معاً عن ضعف سلاسل التوريد.   
 
على الضد مما كان سائداً منذ التسعينات، بدأ التنافس بين الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، والصين في الجهة المقابلة، يأخذ طابعاً اقتصادياً وتجارياً، يرقى إلى مرحلة الحرب المعلنة، من خلال التشريعات والسياسات الحمائية والعقوبات. وهذا أحد مؤشرات التفكك الذي يعانيه النظام الدولي. قبل ذلك كانت الصين، قد شرعت في سلوك طريق تنمية جديد منذ سبعينات القرن العشرين، في إطار النظام الرأسمالي. وبدايةً من التسعينات، شهدنا "التقارب الكبير"، بين الدولة الصينية والرأسمالية العالمية، مع قيام الشركات الأميركية بتدويل خطوط التصنيع الخاصة بها، والتي كانت الصين المحطة الرئيسة لها. لكن ذلك أصبح يتراجع، مع صعود القوة الابتكارية والتكنولوجية الصينية، والتي أصبحت في غنى عن الشركات الأميركية، وكذلك صعود الترامبية التي تدافع عن برنامج اقتصادي حمائي، ومناهض بقوة للصين، ثم جاءت الجائحة والحرب الأوكرانية لتضع كل النظام في موضع عدم اليقين. وما يزيد هذه الضبابية وعدم اليقين، الانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة، والتي يمكن أن تعيد ترامب إلى السلطة، في مواجهة بايدن، الذي خسر الكثير من قاعدته الانتخابية بسبب الحرب في غزة. 
 
ويعتمد ترامب في حملته الانتخابية على برنامج حمائي. متوعداً بفرض رسوم جمركية عالمية بنسبة 10% على كل السلع والواردات، على أن يتم رفعها بالنسبة نفسها على الدول التي تفرض رسوماً جمركية على الواردات الأميركية. كما وعد بإنهاء "الإطار الاقتصادي للازدهار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ"، وهي اتفاقية تجارية أطلقها بايدن في عام 2022 مع ثلاث عشرة دولة في المنطقة.
 
خلقت النيوليبرالية المعولمة على مدى عقود وهماً مفاده أن العالم يسوده السلام، وحتى ما يجري فيه من صراعات، لا تغدو أن تكون محلية صغيرةً لا تؤثر في نسق تدفق السلع والمعرفة والأفكار، أو عمليات خاصة للقضاء على "الإرهاب". وقد تطور ذلك الوهم منذ انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001، لذلك شكلت حرب أوكرانيا صفعةً على وجه نام. فهذا النموذج أصبح يواجه سياقاً جيوسياسياً مختلفاً جذرياً. فالأوروبيون لم يعودوا قادرين على إنتاج البضائع الباهظة بالوقود الروسي الرخيص، والصينيون لم يعودوا يستطيعون توريد التكنولوجيا الأميركية كيفما شاؤوا، والروس باتوا عاجزين عن التصرف في أصولهم الموزعة في البنوك الغربية. وبين هذا وذاك، أصبحت الشركات المتعددة الجنسيات أكبر ضحايا هذا التحول الجذري.
 
تطور نموذج الشركة المتعددة الجنسيات، من رحم النيوليبرالية المعلومة، وفي سياق سياسي تهيمن فيه الولايات المتحدة منفردةً على العالم. لكن التفكك الذي يشهده هذا النظام، والتشكيك المتسع في قدرة أميركا على الهيمنة، وضعا الشركات المتعددة الجنسيات، ذات الغالبية الغربية، في موضع صعب وخطير. فهذه الشركات، مهما اتسعت شبكات نشاطها، تبقى مرتبطةً بأصلها المكاني، وتالياً بسياسات الدولة التي ولدت فيها. وقد كشفت الحرب الأوكرانية عن سلوك هذه الشركات بمجرد فرض العقوبات الغربية غير المسبوقة على روسيا، وكيف خرجت على نحو سريع وتحملت كلفةً عاليةً تاركةً فروعها الممتدة في روسيا. وكذلك التأثيرات الجيوسياسية التي خلّفها العدوان الإسرائيلي على غزة، وحركة المقاطعة الشعبية التي استهدفت بعض الشركات المتعددة الجنسيات. وكيف تحولت بعض فروع هذه الشركات إلى أسماء أخرى. لذلك فإن هذا التفكك الذي يعيشه النظام الدولي يؤثر مباشرةً في طبيعة الشركة المتعددة الجنسيات، إذ يدفعها إلى تفكيك شبكتها الدولية وتجزئة فروعها المحلية نحو نموذج شركات مستقلة، وبالتالي ينزع عنها الطبيعة المتعددة الجنسيات. هذا التحول الهيكلي الجذري يضرب في العمق النموذج النيوليبرالي المعلوم للنظام الدولي.
 

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة