23-03-2024 | 04:00

امرأة القشّ النّسويّة

في رمضان الماضي، أثار المسلسل السعودي الشهير "طاش ما طاش" جدلا واسعا في الساحة الخليجية بالسيناريو الفانتازي لحلقة "هجرة الرجال". تنخرط النساء في تلك المدينة المتخيلة في "تنظيم عسكري نسائي"، حتى أنهن يرتدين زياً مستوحى من كتيب إطلالات فيديل كاسترو، ويحملن السلاح، ويقمن بطرد الرجال، ونفيهم إلى الصحراء، ومن ثم تتأتى لهن مقاليد الأمور في المدينة.
امرأة القشّ النّسويّة
Smaller Bigger
في رمضان الماضي، أثار المسلسل السعودي الشهير "طاش ما طاش" جدلاً واسعاً في الساحة الخليجية بالسيناريو الفانتازي لحلقة "هجرة الرجال". تنخرط النساء في تلك المدينة المتخيلة في "تنظيم عسكري نسائي"، حتى أنهن يرتدين زياً مستوحى من كتيب إطلالات فيديل كاسترو، ويحملن السلاح، ويقمن بطرد الرجال، ونفيهم إلى الصحراء، ومن ثم تتأتى لهن مقاليد الأمور في المدينة.
 
وتتطور الأحداث حينما يثور الرجال ويهزمون النساء، إلا أنهم يثبتون أنهم الجنس الأطيب والأرحم، والأعقل دونما شك، فهم لا ينتقمون من النساء، معلنين أنهم غير قادرين على الاستغناء عنهن.
 
بالنسبة إلي، الحلقة أعطت درساً مجانياً، وحياً، لمن أراد رؤية عملية خلق شخصية "النسوية القشية".
 
حينما يرغب معارضو النسوية في تسخيفها، أو التظاهر بإفحامها ودحض حجتها، يلجؤون إلى المغالطة المنطقية المعروفة لـ"رجل القش"، ولكن –بطبيعة الحال - باستخدام امرأة نسوية لا تمت إلى الواقع بصلة، وليست إلا مسخاً من التصورات المغلوطة، والمبالغات، والأكاذيب الصريحة.
 
النسوية القشية التي جاء بها كُتّاب الحلقة "تحارب الرجل"، لا المنظومة الذكورية، فترفض وجود الرجل، لا وجود التمييز المؤسساتي الممنهج ضدها، وتأبى التعايش معه، لا التعايش مع ميسوجينيته، وتتمنى طرده ونفيه، لا طرد قناعاته البالية ونفيها، وربما تود تعذيبه وإيذاءه وقتله، لا حماية نفسها من العنف المشرعن والمبرر. بل إن العالمة النووية التي يستعين بها التنظيم النسائي في الحلقة يُعرّف عنها كـ"ناشطة في محاربة الذكور"، لا ناشطة في حقوق المرأة كما يُفترض.
 
ولأنهم جاؤوا بامرأة وهمية، فقد تسنى للرجال في الحلقة، لا قهرها في المعركة فحسب، بل أن يتفوقوا عليها بأخلاقهم ووعيهم وبُعد نظرهم.
أتذكر أن الحلقة قوبلت بالكثير من الانتقادات، ربما لأن ضحالة "النسوية القشية" حفّزت حتى أشد العقول انغلاقاً على التساؤل: "بربكم، هل هذه هي النسوية الخليجية؟ وهل هذه هي مطالبها؟". 
 
لقد نظروا من حولهم، فلم يجدوا – على اختلافهم مع النسوية - أثراً حقيقياً لأولئك العنيفات، الإقصائيات، المتطرفات، الكارهات لكل ما هو ذكر، المتعطشات للظلم والجبروت، الساعيات إلى الاستئثار بالسلطة وصناعة القرار.
 
أما في رمضان الحالي، فالمسلسل الوحيد الذي يستحق شغل أوقاتنا هو مسلسل معاناة أخواتنا في غزة. وللمفارقة، فالنسوية القشية ما زالت في دور البطولة.
 
في هذا الوقت العصيب، يحلو لبعض معادي النسوية، والفاجرين في الخصومة ضدها، أن يتهموا النسويات العربيات باتخاذ موقف محايد وصامت مما يحدث للفلسطينيات. يزعمون أنه "لا همّ للنسويات" سوى محاربة الحجاب، أو رفض ولاية الرجل، أو تشريع الإجهاض، أو أي مما يستهجنه فكرهم المتدين المحافظ، بينما الفلسطينية تُقتل/تُعتقل/تُعذّب/تُغتصب/تُشرّد/تُجوّع/ترمّل/تُثكّل/تجري العمليات القيصرية دون مخدر/تفتقر للفوط الصحية، في غزة. 
 
إنها نسوية أخرى من القش الرخيص. نسوية قرروا مسبقاً أنها ستدير ظهرها لغزة، ليطعنوها بالمغالطات حتى تخرّ أمامهم – وحدهم - مهزومة ذليلة، ويقفوا فوق جثتها منتصرين بأخلاقهم وإنسانيتهم. 
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية