20-03-2024 | 03:00

حتى يصبح العمل في كل مناطق تونس مطمحاً للتّونسيين

تقول مصادر البرلمان في سياق تفسيرها للمشروع إن 250 من المتخرجين حديثا في كليات الطب وقّعوا سنة 2023 التزاما بقضاء فترة تدريبهم التخصصي في عدد محدد من مستشفيات المناطق الداخلية. لكن 45 فقط منهم التحقوا بمراكز عملهم، أما البقية فقد فضّلوا مغادرة البلاد إلى الخارج.
حتى يصبح العمل في كل مناطق تونس مطمحاً للتّونسيين
Smaller Bigger
أعلن رئيس إحدى لجان مجلس نواب الشعب (البرلمان) في تونس أخيراً أنه أعد، بمعية عدد من أعضاء المجلس، مشروع قانون يتضمن فرض إجراء بمنع السفر إلى الخارج على الأطباء التخصصيين الذين يتهربون من العمل في المناطق الداخلية للبلاد.

وتقول مصادر البرلمان إنه تبعاً لمشروع القانون، فإن الأطباء الشبان الذين يتابعون تدريبهم ضمن تخصصات محددة في إطار التزامات مسبقة مع الدولة لن يستطيعوا السفر إلى الخارج لفترة من الزمن، تتراوح بين العامين والخمسة أعوام، إلا بترخيص من وزير الصحة أو بتسديدهم نفقات دراستهم الجامعية.

المقاربة التي ينشدها البرلمانيون التونسيون تشبه إلى حد بعيد مقاربة ألبانيا، أفقر دول البلقان التي سنّت السنة الماضية قانوناً يجبر أطباءها على العمل في البلاد لمدة محددة، إلا إذا ما هم قبلوا بتسديد كلفة تعليمهم للدولة.

ثارت ثائرة متخرّجي كليات الطب هناك. لكن السلطات الألبانية قالت إنها لا تستطيع مواصلة "تمويل المؤسسات الصحية الألمانية" التي تستقبل معظم الأطباء الألبان المهاجرين. اشتكى الأطباء الشبان حكومتهم إلى المحكمة العليا في البلاد التي علقت العمل بمعظم بنود القانون، معتبرة الشروط التي احتواها غير منصفة لمتخرّجي كليات الطب.

أما في تونس فيقول النواب إنهم لجأوا إلى هذه الصيغة الإلزامية نتيجة تنصل متخرّجي كليات الطب من التزامهم السابق بالعمل في المناطق الداخلية، وذلك رغم المعاملة التفضيلية التي كانوا قد حظوا بها في اختيار تخصصاتهم الطبية مقابل العمل في مستشفيات المناطق الداخلية التي تشكو نقصاً فادحاً في الأطباء التخصصيين.

وتقول مصادر البرلمان في سياق تفسيرها للمشروع إن 250 من المتخرجين حديثاً في كليات الطب وقّعوا سنة 2023 التزاماً بقضاء فترة تدريبهم التخصصي في عدد محدد من مستشفيات المناطق الداخلية. لكن 45 فقط منهم التحقوا بمراكز عملهم، أما البقية فقد فضّلوا مغادرة البلاد إلى الخارج.

ويقول المشرعون إن مشروع القانون يهدف إلى ضمان تمتع المواطنين بالخدمات الطبية التي يحتاجونها في كل رقعة من تونس، وإلى جعل الأطباء الشبان "يردّون الجميل" للبلاد التي أنفقت على تدريبهم بمعدل 35 ألف دولار في السنة لكل واحد منهم تقريباً.

يتعلق الأمر في الواقع بمشكلة متعددة الأوجه لا يلخّصها مشروع القانون وحده.
فهناك من ناحية ظاهرة نزيف الكفاءات نحو الخارج التي تفاقمت خلال السنوات الأخيرة، وشملت المئات إن لم يكن الآلاف من الأطباء والمهندسين التونسيين وغيرهم من الكوادر العليا.

وتقول أرقام عمادة الأطباء التونسيين إن ما لا يقل عن 1325 طبيباً غادروا تونس العام الماضي. هذا الرقم يتجاوز معدلات السنوات السابقة في ما يخص هجرة الأطباء. وإذا كان هذا الرقم صحيحاً فهو يوحي بأزمة صحية قادمة لا محالة، إذ إن عدد متخرّجي كليات الطب في تونس لا يتجاوز في المعدل 900 طبيب سنوياً تحتاج البلاد إلى حوالي 700 منهم لتلبية حاجياتها الذاتية.

يتوجه معظم الأطباء الشبان التونسيين المهاجرين نحو البلدان الأوروبية، وبخاصة منها فرنسا وألمانيا. وتختلف شروط قبول الدول الأجنبية لهم، ولكن كل الدول الأوروبية تقريباً تسعى لتعزيز صفوف طواقمها الطبية بكل السبل. وإذا كانت السلطات الفرنسية تشترط على متخرّجي كليات الطب التونسيين إنهاء دراستهم والحصول على شهادة التخرج قبل الترشح العمل في مستشفيات فرنسا، فإن ألمانيا تتبع قدراً أكبر من المرونة يسمح باستقدام طلبة الطب الأجانب حتى قبل إنهاء دراستهم.


تقول السلطات التونسية إنها تنوي خلال السنة الحالية تشغيل 640 طبيباً اختصاصياً جديداً سوف توجه ثلثهم تقريباً إلى العمل في المناطق الداخلية، ما لم يبعثر نزيف الهجرة إلى الخارج حساباتها.

في الأثناء سوف تواصل تونس الاستنجاد بالأطباء الصينيين مثلما دأبت على ذلك منذ أكثر من خمسين عاماً. وقد قامت السلطات منذ 1973 بتشغيل 1238 طبيباً صينياً في نطاق اتفاقيات تعاون مع بكين. ولكن عدد الأطباء الصينيين لا يحل المشكلة، إذ إنه لا يتجاوز بضع عشرات، كما أن عمل هؤلاء يطرح إشكاليات من حيث اللغة.

ومن المفارقات أن تواصل تونس استجلاب أطباء من الصين فيما يوفر المئات من أطبائها خدمات طبية ذات مستوى عال للمرضى في الغرب والشرق.

كان من المفروض أن تكون البلاد بعد قرابة السبعين عاماً من استقلالها قد توصلت إلى حل لمشكل الرعاية الصحية في المناطق الداخلية، لكنها عجزت عن ذلك إلى حد الآن.

لا أشك لحظة في النيات الحسنة وراء مشروع القانون الجديد. ولكن النيات الحسنة الطيبة والأهداف النبيلة وحدها لا تكفي أحياناً.

فالحرمان من السفر هو حرمان من أبسط الحقوق المدنية، ومنها حق الإنسان في اختيار المكان الذي يعيش فيه ويبني فيه مستقبله ولو كان في الخارج.
ولا يمكن لتونس أن تبني الدولة الاجتماعية التي ترنو إليها على أساس منع فئة معينة من شبابها المتميز من السفر مهما كانت المبررات.

ومن الأجدر بالمشرّعين أن يتحاوروا مع الأطباء المعنيين عوض معاقبتهم ويحاولوا التوصل معهم إلى صيغ مقنعة تتضمن حوافز مادية وإدارية استثنائية، تشجّعهم على التطوع للعمل خارج المدن الكبرى.

من الأكيد أن جانباً من المسؤولية في الأزمة يتحمله متخرّجو الجامعات الذين لم يوفوا بتعهدهم العمل في المناطق الداخلية مقابل حصولهم على امتيازات في امتحانات التخصص.

لكن إلقاء اللائمة على المتخرّجين الجدد في كليات الطب دون غيرهم لن يوفر العلاج الشافي لمشكلة هي أكثر تعقيداً من مجرد عدم احترام طلبة الطب التزاماتهم.

لا بد من الانكباب أولاً على معالجة الظروف المضنية التي تدفع الأطباء بالذات إلى النفور من العمل في بلادهم وفي المؤسسات الاستشفائية الحكومية بالخصوص.

كان من المفروض في هذا المجال أن تتصدى السلطات منذ سنوات عديدة لتدهور ظروف العمل في المستشفيات والمصحات (بما فيها العنف الذي تتعرض له أحياناً الطواقم الطبية)، والمكافآت المادية الزهيدة وغياب التجهيزات الملائمة التي يحتاجها الأطباء حتى يتسنى لهم تقديم العلاج لمرضاهم ومواكبة التقدم العلمي في ممارستهم لعملهم.

وتبلغ هذه النواقص مستويات كارثية في الكثير من المؤسسات الاستشفائية خارج المدن الكبرى.

من الأحرى بالبرلمانيين وبقية أفراد الطبقة السياسية أن ينكبوا كذلك على جملة العوامل التي حوّلت عديد المحافظات الداخلية إلى مناطق طاردة لأهلها قبل أن تكون طاردة للكفاءات. بل إن بعض المحافظات في تناقص ديموغرافي مستمر منذ عقود طويلة، بعدما أصبح أهلها يبحثون عن العيش الكريم بالنزوح إلى العاصمة والمدن الكبرى. والجانب الأكبر من المسؤولية عن ذلك يتحمله الساسة وأصحاب القرار الذين حوّلوا العيش والعمل في بعض مناطق البلاد عقاباً.

فشلت الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال في خلق الحد الأدنى من التوازن التنموي بين الجهات، بما يوفر ظروف العيش والعمل الملائمة في كل نقطة من البلاد دون تمييز.


ورغم الوعود والشعارات المرفوعة في الانتخابات، بقي غياب التجهيزات الأساسية وتدنّي المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في المناطق الداخلية واقعاً محبطاً يدفع الأطباء ومختلف الكفاءات، بالإضافة إلى المستثمرين وأصحاب المشاريع التونسيين والأجانب على حد سواء، إلى الابتعاد عن المناطق الداخلية المفتقدة للكثير من المرافق الأساسية.

مشكلة تونس اليوم ليست فقط مشكلة أطباء متدربين ينفرون من المناطق الداخلية ويهربون إلى الخارج. مشكلتها تكمن في استمرار مظاهر عدم التوازن الصارخة بين الجهات، وكذلك في فقدان مسوغات الأمل والثقة لدى الكثير من نخبها وكفاءاتها الشابة في أنّ لهم في بلادهم آفاقاً لتحقيق طموحاتهم.

الجميع في الواقع يتحمل جانباً من المسؤولية، ليس فقط عن ابتعاد الكفاءات الشابة عن المناطق الداخلية بل أيضاً عن سعي هذه الكفاءات غير المسبوق إلى الهجرة إلى الخارج في ظل مناخ من الإحباط استشرى في البلاد منذ 2011، بعدما خابت الآمال في تطور الأوضاع نحو الأحسن.

لا بد اليوم من إشارات قوية إلى أن البلاد سائرة نحو تصحيح هذا الوضع، وذلك حتى يصبح العمل والعيش في تونس، كل تونس، مطمحاً لجميع التونسيين.
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية